مقــــالات

  • كلمات يسمعها الأصم

    هناك قصة رائعة رواها تشالس سبرجن وهي أنه وبعد أن أنهى خدمته فى أحد الليالي فى الإجتماع الذى كان يعقده فى مكان ما، وهم بالإنصراف وجد شخص يجلس على السلم الذى يوجد به الإجتماع، ورأه يبكى بحرقة، ربت سبرجن على كتفه وسأله ما هو أكثر شئ أثر فيك هكذا فى العظة التى ألقيتها، ولكن الرجل لم يسمعه، فأعاد سبرجن السؤال مرة أخرى وهو يزيد من نبرة صوته حتى يسمعه الرجل، وبعد أن كرر السؤال على الرجل عدة مرات أجابه الرجل بأنه شبه أصم وأنه لم يستمع لشئ مما قاله سبرجن فى خدمته، وهنا تعجب سبرجن وسأله عن سبب بكائه، وأجابه الرجل بأنه ما أن بدأ فريق الترنيم فى ترديد الترنيمة التى كان أحد أعدادها يتحدث على لسان الرب يسوع قائلا " أحببتك وأنت تعادينى " ولأن صوت الفريق كان عالى جداً أخترقت هذه الكلمات أذن ذلك الرجل الأصم، وكانت أعداد الترنيمة تدور حول مجئ المسيح للأرض خصيصاً لأجل خلاص الإنسان، وأثر فى الرجل أن المسيح قد ظهر فيه كل هذا الحب مع أنه هو مازال يعاديه، وتأثر سبرجن بقصة هذا الرجل وبعد أن صلى معه وتركه دلف إلى مكتبه، وكتب قصة هذا الرجل وعنونها بهذا العنوان " كلمات تخترق حتى الأذان الصماء " وهذا أمر بديع ورائع أن قصة تضحية المسيح ومجيئه من السماء خصيصاً إلى الأرض لأجل فدائنا هى حقيقة تخترق حتى الأذن الصماء.
  • في سجن المخدرات

    لاحظتُ الفرحَ يشعُّ من عينيه، وهدوء النعمة ينطق بالسلام على وجهه فتأكدت أنه لا بد من وجود أسباب لذلك, فتوجهت بالسؤال لهذا الشابُّ واسمه "شاهين شاهين" عندما تقابلت معه في عَمَّان بالأردن في يوم الأحد 11-4-2004م فأجابني: «نعم لا بد من الفرح. كيف لا وقد تحررت من قيود كثيرة أبسطها كان كفيل لا أن يُدمي مِعصمي فقط بل أن يذهب بي للقيود الأبدية في الجحيم إلى أبد الأبدين! لقد وُلدت ببلدة "ترشيحا" بالجليل الأعلى في 2-9-1980 في أسرة مسيحية بالاسم. ورغم أن الرب يسوع عاش بالجسد في هذه المناطق لكني لم أكن أعرف عنه شيئًا اللهمَّ إلا بعض القصيصات القصيرة التي سمعتها عنه في طفولتي المبكرة. وعندما بلغ عمري 8 سنوات كنت أعمل في محل للقمار يمتلكه أبي. وبسبب الخلافات الأسرية المتكررة كنت لا أستطيع النوم بالليل، فأدمنت المخدرات مبكرًا. وعندما بلغ عمري 15 عامًا صرت مدمنًا لمختلف أنواع المخدرات بدءً بالسيجارة حتى الهيروين. وعندما بلغت من العمر 19 عامًا صرت أمتلك محلان للقمار، حتى من المكسب أستطيع أن أحصل على ثمن جرعات المخدرات. وفي هذا العمر أيضًا كنت أتاجر في المخدرات. وما كان يعكر صفوحياتي شيء سوى كلمات جاري وصديقي السابق "وسام داود" الذي ترك العيش معنا في الإدمان وما يصاحبه، وبدأ يتردد على الكنيسة بالرغم من أنه كان قبل ذلك أكثر شباب المنطقة تجديفًا على الله. ومنذ ذلك الحين شهد لي أكثر من مرة بأن المسيح يحرر من العادات والإدمان، لكني كنت أستهزئ به، واتهمه بأنه واقع تحت تأثير ديني متطرف أونفسي متقلب! وفي شهر أكتوبر (تشرين الاول) من عام 2002م، قُبض عليَّ وسجنتُ بسبب الاتجار في المخدرات, وفي السجن كان من السهل أيضًا شراء المخدرات! وفي يوم 11-2-2002م علمتُ وأنا في السجن بأن المشاكل الأسرية قد حطمت أسرتي تمامًا، وكان لا بد من النسيان أوحتى محاولة النسيان، فضاعفتُ جرعات المخدرات دون جدوى. لكن أموالي كانت قد نفذت تمامًا ورفض تاجر المخدرات في السجن أن يعطيني المخدرات مجانًا رغم وعودي له بالتسديد. مرة أخذت أتوسل إليه أكثر من ساعة من الزمان وأنا راكع تحت قدميه أقبلهما متوسلاً متذللاً محطمًا ومعذبًا، وبعدما ركلني بقدمه، رمى لي الجرعة، لكني لم أشمها إذ قررت الانتحار بسبب المذلة التي عانيتُها. كانت الساعة تعلن الحادية عشرة مساءً، وعندها ولأول مرة بدأت أفكر بعمق في الموت والأبدية، فشعرت بخوف رهيب من الأبدية التي سأواجهها بعد لحظات من الأنتحار! وعندها تصور أمامي كل تاريخي الأسود من شرور وفجور، وكمّ الأشخاص الذين سلبتُ أموالهم وحريتهم وشرفهم بالقمار والمخدرات ومختلف الشرور الأخرى. وعندها أمسكت بقضبان السجن ورحت أصرخ بأعلى صوتي: «يا الله أينما كنتَ في أي دين، توبني، ارحمني، حررني»، وصرت أبكي بشدة ومرارة، ولم أفق من صراخي إلا في فجر اليوم التالي. وعندها شعرت في الحال بفرح حقيقي عميق يغمر كِياني، وتمتعت بسلام عجيب. ورغم علمي أن التخلص من إدمان المخدرات ولا سيما الهيروين، يحتاج لعلاج طويل في المستشفى، لكني - وبالعكس - رغم وجودي في السجن تمتعت بمعجزة التحرير دون علاج بشري تمامًا، وأدركت أن المسيح الذي حدَّثني عنه من قبل جاري "وسام" هوحقيقة حية وهوموجود بكامل قوته كما كان هنا على الأرض منذ ما يقرب من 2000 سنة. تمنيتُ أن أعرف أكثر عن المسيح الذي متعني بسلامه، فكانت المعجزة الثانية بالنسبة لي وهي مجيء جاري "وسام" لزيارتي بالسجن في توقيت عجيب حينما طلبت من المسيح أن يظهر ذاته لي, وأهداني "وسام" كتابًا مقدسًا ومجلد "نحو الهدف"، فكان المجلد هو المصباح والشعاع الذي أنار لي الطريق؛ إذ عرَّفني كيف أن الله قبلني في المسيح، وعلمني كيف أقرأ الكتاب المقدس، وأجاب عن أسئلة كثيرة كانت تدور بذهني وأنا في السجن، وقرأت الكتاب المقدس أكثر من مرة في السجن. وإني لمديون لمجلة نحو الهدف، ومديون لكل من يكتب أويساعد في خروج هذه المجلة المباركة التي عرفتُ المسيح بحق من خلال الإنجيل البسيط المعلن فيها. كانت المعجزة الثالثة التي صنعها المسيح معي هي خروجي من السجن؛ إذ أُفرج عني بعد ثلاثة أشهر من تغيري وولادتي الجديدة, ومنذ ذلك الحين وأنا أواظب على اجتماعات الكنيسة وأشهد وأخبر عن المسيح وتحريره في كل مكان، وقد تغير الكثيرون وآمنوا بالمسيح من خلال شهادتي، وكان أول من تغيروا بسبب إيماني هو صديقي السابق "رامي طنوس" الذي كان أيضا يتبنى أفكارًا إلحاديه كفرية، وكان من قبل يتبع النيو إيج New Age، وها نحن الآن معًا نعبد ونشهد ونخدم الفادي المجيد. صديقي القاريء العزيز .. صديقتي القارئة العزيزة، هل تمتعت بالحرية التي يقدمها المسيح؟ اسمعه يقول: {«وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». أَجَابُوهُ «إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ. كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوعَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَﭐلْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا»} (يوحنا8: 33-36) فهل تأتي الآن كما فعل "شاهين" و"وسام" و"رامي"، وتصلي معي؟ صلاة: يا من أوثقوك وساقوك لتصنع لي التحرير, يا من قيدوك وسمروك لتمنح لي التطهير, ارحمني واقبلني أنا الأسير وفكني وحررني، لك الفضل والمجد الكثير.. أمين زكريا استاورو
  • باخوم يربح الكل و يخسر نفسه

    وُلد الكاتب الروسي الشهير "ليو تولستوي" في أغسطس من عام 1828م، ورحل عن عالمنا في نوفمبر 1910م، ومن مؤلفاته - التي يقارب عددها المائة - يسعدني أن أشاركك باختصار هذه القصة، والتي لنا فيها درس ثمين .. كان "باخوم"، وهو قروي بسيط، يتمنى أن يمتلك قطعة كبيرة من الأرض. وَبَلَغَه أن السيدة التي يعمل بمزرعتها تريد أن تبيع المزرعة بالتقسيط، فاشتراها. وأخصبت كورته. ثم اشترى قطعة أرض مجاورة بثمن بخس من جاره الذي كان يريد أن يرحل. فصار "باخوم" بين يوم وليلة وضحاها صاحب الخمسين فدانًا. وفي يوم من الأيام زاره صديق قديم، وسأله عن النجاح والسعادة؛ فأجاب باخوم: - «أما عن النجاح فلا بأس؛ لأنني أمتلك الآن عزبة مساحتها خمسون فدانًا، تعطي محصولاً جيدًا. أما عن السعادة فمفقودة؛ لأنني أتمنى أن تكون الخمسون مائة أو ألفًا، ولكن أصحاب الأراضي حولي لا يريدون التنازل عن أراضيهم». أجاب الضيف: - «إني عائد من بلاد على نهر "الفولجاتا"، حيث الأراضي فسيحة وخصبة، وأصحابها بسطاء؛ ويمكن الحصول على أراضيهم بسهولة» صدق باخوم ما قاله صديقه، فباع كل ما يملك، وسافر مع خادمه إلى هذه البلاد. وهناك قدم لمشايخ القبائل هدايا فرحَّبوا به جدًا. ولما سألهم عن ثمن الأرض عندهم، قالوا: - «ألف "روبل" عن اليوم الكامل. والروبل عملة روسية. سأل باخوم: - «ما المقصود باليوم الكامل؟ وكم فدانًا يساوي؟» أجابوه: - «نحن لا نستخدم المقاييس التي عندكم. وإنما نُقَدِّر الأرض وثمنها، بالمسافة التي يقطعها الإنسان في المشي فيها في اليوم الواحد، بدءً من شروق الشمس؛ ولكن عليه أن يرجع إلى النقطة التي ابتدأ منها قبل أن تغرب الشمس ولو بدقيقة واحدة، وهذه الأرض تساوي الألف روبل. أما إذا تأخر ولو دقيقة واحدة بعد غروب الشمس، يفقد الألف روبل والأرض معًا». سُر "باخوم" جدًا، ودفع الألف روبل، واستعد لرحلة الغد، وبات يحلم بالأرض الفسيحة التي سيمتلكها غدًا، وكيف هي فسيحة جدًا. وفي الصباح الباكر وصل إلى المكان الذي عينوه للمقابلة. فقال له رئيس المشايخ: - «انظر كل هذا السهل الفسيح هو ملك لك، ولكن حافظ على الشروط، فإما أن يصير المال لنا والأرض لك، أو تفقد المال والأرض معًا». بدأ باخوم رحلته وهو يركض بمنتهى القوة، وكان كلما قطع مرحلة كبيرة وأراد الوقوف عندها، تغريه خصوبة الأرض فيستمر في الركض. وظل يركض ويركض إلى أن انتصف به النهار، واشتد به التعب؛ فجلس للحظات تناول فيها بعض الطعام وشرب بعض رشفات من الماء. ثم قام ليبدأ راجعًا. فأخذ يركض إلى الناحية الثانية، ولما رأى أن الوقت قد مضى، أخذ يلهث إلى الناحية الثالثة. وكان العصر قد أقبل، ففكر أن يعود إلى النقطة التي بدأ منها حتى لا يخسر الكل، ولكنه أحس بالتعب الشديد، وبدأ يخلع ثيابه قطعة فقطعة، حتى حذائه لم يُطق أن يبقيه، فخلعه وجعل يركض، وقدماه تمزقهما الأشواك والحجارة الحادة. ولما اشتد به التعب فوق الطاقة، فكر أن يجلس ليستريح ولو للحظات، ولكنه أبصر الشمس تنحدر نحو المغيب، فاستمد من ضعفه قوة، فجعل يركض ويركض وأنفاسه تخرج متدافعة، لا يكاد يرسل أحدها حتى يلاحقه الآخر. وقبل أن يصل إلى سفح الجبل غابت الشمس، فخار واضطرب اضطرابًا عنيفًا، ولكنه تذكر أن الشمس في السفح قبل القمة، وإذ ذاك كافح مرة أخرى، وأخذ يجري ويجري بكل ما لديه من بقايا خافتة من العزم والقوة. ولما وصل قبل مغيب آخر شعاع من الشمس، استقبلته الجماعة بهتاف عظيم، وقال الرئيس "لباخوم": - «هنيئًا لك! قطعة الأرض التي امتلكتها كبيرة جدًا». وما أن مدَّ "باخوم" يده ليصافح الرئيس، حتى انفجر الدم من فمه، وسقط إلى الأرض. أسرع خادمه ليسعفه، لكنه كان قد صار جثة هامدة. صديقي .. صديقتي، أؤكد لك أنك رأيت عشرات بل مئات ممن يشبهون "باخوم" هذا! بل أخاف أن تكون أنت نفسك "باخوم" عصرك؛ تركض وراء الأرضيات؛ للشهرة، وللشهوة، للمال، أو المكيفات والمخدرات؛ تجري وراء سراب في غباء روحي. تذكر ما قاله الرب للغني الغبي (باخوم عصره) - {«يا غبي؛ هذه الليلة تُطلب نفسك منك، وهذه التي أعددتها لمن تكون؟» هكذا الذي يكنز لنفسه وليس هو غنيًا لله} (لوقا 20:12). أسمعك تقول لي: - «ولكن أين الطموح؟! .. » أقول لك أنني لست ضد الطموح في حياتك مع المسيح، ولكن الطموح بدون المسيح المجروح يصير باطل الأباطيل، (ارجع إلى سفر الجامعة). وتظل كلمات المخلص الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير (غلاطية 4)؛ تظل كلماته هي الأعلى والأبقى على مر السنين؛ اسمعه يقول لك: - {ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟} (متى 26:16). فهل تربح المسيح، ومعه تربح كل شيء؟! اركع وأنت تقرأ الآن، وصلِّ معي: صلاة: يا ربي يسوع .. يا من لأجلي قد مات، وأنا عبد غارق في العالم والشهوات .. ارحمني وسامحني على كل ما فات، ومتعني في العيشة معك باللذات. آمين. زكريا استاورو
  • دموع راهبٍ شيخٍ

    في الستينات اعتاد أحد الرهبان الشيوخ أن يزور كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج، وكان يدخل الهيكل ليجلس القرفصاء يكاد كل القداس وذلك بسبب شيخوخته وعجزه عن الوقوف أو الركوع. كان يخفي وجهه بيديه وكانت دموعه تنساب بلا توقف. لاحظه أحد الشبان فاقتاده يومًا إلى بيت أقاربه وهناك أصرَّ أن يعرف ماذا وراء هذه الدموع الغزيرة. قال له الراهب الشيخ: "لم أذكر منذ صبوتي أنني كوَّنت أية علاقات خاطئة مع فتاة أو سيدة، ولا استسلمت قط لفكرٍ شهواني... أحببت العفة وتمتعت بالطهارة، وكنت فرحًا متهللاً. التحقت بالدير وعشت في فرحٍ حقيقي، وإذ أصابني مرض ألزموني بالذهاب إلى المستشفي. هناك اهتمت بي ممرضة، بكوني أبًا لها، وإذ ازداد اهتمامها بي مرت بي أفكار غير طاهرة، خشيت على نفسي من أفكاري بالرغم مما اتسمت به هذه الممرضة من أدب وطهارة. أصررت على ترك المستشفي وبقيت منذ ذلك الحين أبكي ضعفي بلا انقطاع. وضعت خطيتي أمامي في كل حين حتى لا أسقط!" قال له الشاب: "إنها مجرد أفكار منذ سنوات طويلة، فلماذا كل هذه الدموع؟" - أفكاري جرحت ذاك الذي أحبني ويحبني، فكيف لا أبكي؟ أبديتي ثمينة! أخشى أن أفقد مجدي في الرب. - هل دموعك تحطم سلامك؟ - دموعي تملأني فرحًا وسلامًا، وتثبت رجائي في مخلصي الذي هيأ لي - موضعًا في حضن أبيه! القمص / تادرس يعقوب ملطى
  • عامِل و عالِم

    في مكان واحد، تواجد رجلان بينهم أختلافات لاتحصى. ومع أن الأثنين كان بينهم تشابه أنه عند مرورهم يقف من في المكان، لكن التشابه الوحيد سيزول عندما تعرف الفوارق. فبين الأثنين فارق مادياً شاسعاً، يمتلك الرجل الأول أحدث أنواع السيارات بينما كان عامل النظافة يجمع القمامة في عربة من عجلتين و حتى هذه العربة لم تكن ملكاً له بل هي ملك مجلس المدينة التابع له. وبينهم أيضا فارق اجتماعي كبير، فالأول مشهور جداً، فهو عالم الفيزياء الذي تتصدر صوره الجرائد؟!، لذا كان معروفاً من كل افراد مدينته بينما الثاني كان بالكاد معروفاً من أفراد عائلته. لذا كان التشابه الظاهري فبينما كانت الناس تقف احتراماً عندما يمر عالم الفيزياء، كانت الناس تقف ليكنس الثاني تحت أرجلهم. فروق كثيرة و لكن الآن يجمعهم حوار واحد. ذات يوم بينما كان عالم الفيزياء منهمكاً في إعداد كتاب جديد، عن أحدث النظريات الخاصة بالضوء، و كان أمامه مرجعاً تعدت أوراقه الألف صفحة، قاطع تركيزه عامل القمامة كما كان يحب عالم الفيزياء أن يدعوه - مع أن هذا اللقب غير دقيق لأن الحقيقة هو أن العالم هو من كان يسبب القمامة، أما الرجل البسيط هو من كان دخوله المكتب سبباً في نظافته-. بابتسامة الفقراء الخالية من الهموم و المليئة بالسلام دخل الرجل البسيط مكتب العالم،:" كل ده كتاب.. كان الله في عونك يابيه" معلقا على المرجع الموجود على المكتب. رد العالم في غضب ممتزج بكبرياء: "أولاً ده مش كتاب يا جاهل، ده مرجع، المرجع ده أكتر من ألف صفحة، و مع ذلك هتلاقيه في إيدي في كل حته، في المكتب، في البيت، في الحمام حتى، عارف المرجع ده عن إيه؟". رد الرجل متجاهلاً وصفه بالجاهل: "أنا صحيح معايا شهادة محو الأمية، لكن معرفش أقرا إنجليزي". ليواصل بعدها العالم في كبرياء: "الجهلة اللي زيك المفروض يطلعلهم شهادة محو من الدنيا مش محو أمية "، ضحك مستهزئاً و أكمل: "و حتى لو بتعرف إنجليزي تفتكر هتفهم الكلام اللي موجود في المرجع ده، الكلام اللي هنا ميفهموش غير العلماء أمثالي.". قال الرجل بينما ينظف المكتب: " ربنا يزيدك كمان وكمان". أكمل العالم و كأنه لم يسمع شيئاً: "المرجع ده عن الضوء". علق الرجل البسيط: "النور يعني". "النور يعني، فعلاً جاهل". أكمل الرجل البسيط: "انا دايماً بخلي معايا شمعة في جيبي، عشان لو النور قطع، هتلاقى الشمعة معايا في كل حته في الشارع في البيت في الحمام حتى"، قاطع أبتسامته حدة العالم و هو يقول: " إيه ياراجل أنت اللي بتقوله ده؟!، أقولك مرجع، تقولي شمعة و نور بيقطع، أخرس و إلا أنا اللي هقطع عيشك من هنا"، خاف الرجل البسيط، فأكمل عمله في صمت. و لكن في مساء نفس اليوم بينما كان العالم أمام مرجعه، كان العامل يجلس مع أولاده في البيت، أنقطع التيار الكهربائي عن المدينة. أكتست المدينة باللون الاسود، ارتبك عالم الفيزياء جدا, فإمتلاكه لمرجع الضوء الضخم لم يخلصه من سواد العتمة، بينما في هدوء أخرج عامل النظافة الشمعة من جيبه لينير بيته الصغير. بين عالم وعامل.. بين عالم يمتلك مرجعا و بين عامل يمتلك شمعة.. لا أتكلم هنا عن عالم الفيزياء و عامل النظافة .. قد يمتلك أحدهم المعلومات المسيحية و امتلاكه للمعلومات قد يعطيه شهرة بين الناس.. قد تخدعنا المظاهر.. فنكرم من يمتلكون علماً.. قد يكون الأتقياء غير ظاهرين وغير مكرمين.. هناك عالم أخر.. ليس عالم فيزياء.. ومرجعه مختلف.. مرجعه عبارة عن مئات العظات التي سمعها و عشرات النصائح التي نصح بها غيره.. لكن أنظر وقت ظلام الضيق.. تراه يائساً مرعوب لم ينفعه كل مخزون عظات السلام.. لأنها في عقله فقط دون قلبه.. بينما هناك أمرأة أخرى قد لا تحفظ الأية بكلماتها وألفاظها الحرفيه .. لكن المعنى يملأ قلبها.. فتكون الآية غير المحفوظة بدقة بمثابة شمعة تملأ حياتها بالنور وسط ظلام الحياة و سواد تجاربها.. إن الجاهل ليس هو من لا يعرف الكثير لكن الجاهل هو من لا يستفيد مما يعرفه، إن الجاهل بحسب وصف الرب يسوع هو من سمع فعلم ولم يعمل، ليبني حياته على رمال المعرفة الخالية من الحياة، إنها بالتأكيد ليست دعوة ضد المعرفة الكتابية.. بل دعوة لامتلاك شمعة.. لا مرجع.. حقا يحرر لا معلومة جافة غير نافعة.. العلم ينفخ (1كو 8 : 1).... تعرفون الحق و الحق يحرركم (يو 8 : 32).
  • أتحب بالكلمة أم تنفذ حروفها ؟؟!

    جرت أحداث هــذه القصة فى نيويـورك، عندما كان حاكماً يدعى " لاجارديا "، كان مشهور بالحزم والعدل والإنسانية أيضاً، ذات يوم وقف أمامه رجل عجوز متهم وهو يسرق رغيــف خبز، وكان الرجل يرتجف خوفا، و يقول: أنه أضطــر ليسرق الخبز، لأنه كان سيموت جوعاً، وقال له الحاكم : "أنت إذاً تعترف أنك سارق، وأنا لذلك أعاقبك بغرامة 10 دولارات، وساد المحكمة صمت ملئ بالدهشة، قطعه الحاكم بأن أخرج من جيبه 10 دولارات أودعها فى خزينة المحكمة... ليجمع فى ذلك بين العدل والرحمة، ثم خاطب الحاضرين وقال: هذه ال10 دولارات لا تكفى بل لابد أن يدفع كل واحد منكم 10 دولارات لأنه يعيش فى بلدة يجوع فيها رجل عجوز ويضطر أن يسرق رغيف خبز ليأكل وخلع القاضى قبعته وأعطاها لأحد المسئولين فمر بها على الموجودين وجمع غرامتهم التى دفعوها عن طيب خاطر وبلغت 480 دولار أعطاهم الحاكم للعجوز مع وثيقة اعتذار من المحكمة... حقاً يا أخوتى أننا نريد محبة عملية ولو بغير كلام لأن الكلمات حينئذ ستصبح كقول الرسول "نحاساً يطن أو صنجاً يرن إن من أقصى الطعنات التى توجه إلى قلب المحبة،هى أن نتوقف عند حد المحبة بالكلام
  • طفل المزود

    لقد كانت ليلة عيد الميلاد تقابلت مع أحد اصدقائى لنأخذ وجهتنا الى الكنيسة ونرتدي زي الشموسية قبل فوات الاوان وما أن وطئت اولى خطواتنا داخل الكنيسة إلا أننى رأينا نفس المشهد الذي يتكرر كل عام.. تجمعات شبابية فى كل أنحاء الكنيسة لقد كنت فى كل ذلك ما زلت على عتبة الكنيسة فى حين سبقنى صديقى الى الداخل فأدركته وتبادلت القبلات مع بعض خدام الكنيسة مهنئين انفسنا بميلاد المسيح وفيما نحن واقفون لفت انتباهى أحد الأطفال يجري فى خفة ورشاقة وفى يديه قطعة من الحلوى وما هى إلا لحظات قليلة حتى أقترب منى فأمسكته وأخذت أداعبه "أنت أسمك أيه؟" "أنا أسمى بى...تار" قالها هكذا ملحنة فأبتسمت له " طب ممكن تدينى حته شيكولاته يا بيتر" فنظر لى بإستنكار وقال لى "نــئّه السوتالاته تى بتعتى" قالها محركاً كتفيه لأعلى ثم لأسفل ثم تركنى ليستكمل لهوه ، حقيقةً لم أدرك ما قاله لى (ربما لأننى لم أكن فى مدارس لغات!) لكنى أستنبطت من تعبيراته أنها تنمى عن الرفض فأنا أعلم أن الأطفال فى السن هذه يميلون الى الأنا فى تفكيرهم. ولم أستطع أن أكف بصرى عنه و مكثت أتابعه بالنظر أثناء حديثى مع احدهم وفجأة وجدته يحاول تسلق سور المزود الموجود فى أحد جوانب الكنيسة فعدت بذكرياتى الى الطفولة حينما كنت أتسلل خفية الى المزود لأركب الحمار و أنهال عليه ضرباً حتى يتحرك ولكن عبثاً لم يتحرك الحمار!! فظننت أنا هذا الطفل سيسلك نفسى مذهبى فأخذت أراقبه لعل مع تكنولوجيا العصر الحديث قد يتحرك الحمار!! ولكن ما أدهشنى أن الطفل أرتقى عن هذا الحد من الغباء ووجدته ذاهباً لطفل المزود ويحاول أن يطعمه بما لديه من حلوي! فلم يبخل عليه كما فعل معى فتقدمت بخطوات سريعة لأتابع هذا المشهد عن قرب ورأيت هذا الطفل يأخذ من القش ويضع على جسم الطفل يسوع وهو يتمتم "يا حرام أنت مش عندك بلوفر زى بتاحى!" ووجه الطفل نظره الى تمثال العذراء عفواً الى شخص العذراء وقال "يا ماما عدرا هاتى لبابا يسوع بلوفر عشان هو سقعان!" وهنا انتفض جسمى من تلك البراءة العجيبة! فالموضوع لم يقتصر على براءة طفل فقد كانت كل أهتماماتى فى الطفولة تتمثل فى حمار لا يريد أن يتحرك!! وفيما كنت أتأمل هذا المشهد العجيب حتى سمعت صوت أشبه بكثير بصوت الأمهات "بيتر.. يا واد يا بيتر أنت مش هتبطل شقاوة أبداً؟!" كان لسان حالى حينئذ يريد ولو قال لها دعيه لعل شقاوة بيتر تردعنى عن شقاوتى وأعود لأتوب! ومدت الأم يديها لتأخذ الطفل فى عنف الى داخل الكنيسة فى حين ابتدا هو فى البكاء و هو يلقى بنظراته الى المزود الذى كان يبعد عن نظره شيئاً فشيئاً وكأنه يعاتب الطفل يسوع . ووسط هذا المشهد الدرامى أخذت اعاتب نفسى لأنى أتهمت الطفل بحب الأنا فى حين إن وٌجد احد أنانى سيكون أنا. فقطعة حلوي تمثل لطفل فى هذا السن الكثير ولكنه فضل أن يعطيها للطفل يسوع وعلى العكس فأنا بكل أنانية كثيراً ما أبخل عليه بأقل القليل!! لقد عبّر هذا الطفل بثقافته المحدودة عن محبته العملية لطفل المزود فحين ننشغل نحن بتفاصيل إعداد حفل الميلاد من ملابس وأطعمة ومقابلات عائلية وخروجات وننسى غاية الحفل بل وننسى صاحب الحفل نفسه! .. حقاً لم يكن هذا الموقف مجرد حادثة
  • مائدة لشخصين

    جلس وحيداً على مائدة معدة لشخصين. أتى الجرسون و سأله : "هل تطلب العشاء الأن؟ ... لقد مرت ساعة وأنت تنتظر". ابتسم الرجل برقة و قال : "لا، شكراً، فسأنتظرها. ولكن هل لى من فنجان شاى؟". "حالاً يا سيدى". عاد الجرسون مرة ثانية ليملأ فنجان الشاى مرة أخرى، وسأل "هل من خدمة أخرى يا سيدى؟". "لا، شكراً". ومع ذلك استمر الجرسون واقفاً كمن يحاول أن يقول شيئاً، لقد أثاره حب استطلاعه، فقال بحذر: "لا أقصد التطفل ولكن............" "ماذا تريد أن تقول؟". "سيدى لماذا تُكلف نفسك كل هذا العناء؟ إنك تأتى إلى هنا يومياً وتنتظر بدون فائدة". أجابه بهدوء وبنبرة لا تخلو من الحزن : "لأنها تحتاجنى". "سيدى، لا أقصد الإهانة . ولكنها لا تُظهر هذه الحاجة مطلقاً........... لقد تغيبت عن موعدها أربع أيام هذا الأسبوع فقط". بدت علامات الألم على وجه الرجل وأجاب : "نعم، أنا أعلم" " ومع ذلك تأتى إلى هنا يومياً و تنتظرها؟!". " لقد قالت كاترين إنها ستحضر". الجرسون معترضاً : "مع احترامى يا سيدى، ولكنها دائماً تقول ذلك ولا تفى بوعدها، لو كنت مكانك لما صبرت .......... لماذا تصبر أنت عليها؟". رفع الرجل عينين مملوءتين حناناً وقال بابتسامة عذبة : "لأنى أحبها جداً". وهنا صمت الجرسون وانسحب كان الرجل يأتى يومياً ينتظرها، ولكنها كثيراً ما تخلفت عن موعدها. كان يتألم، ولكنه أيضاً كان ينتظرها بشوق كل يوم جديد، قائلا فى نفسه....... ربما تتذكر الميعاد وتأتى اليوم. فى داخله كلام كثير ولكن الأهم إنه يريد أن يسمع صوتها ....... تحكى له عما فعلت خلال اليوم، تجاربها، انتصاراتها، نجاحها، فشلها، أحلامها، أحزانها، أفراحها ......... كما أراد هو أن يعبر عن مدى محبته لها وشوقه إليها واهتمامه بها واستعداده لمُساعدتها فى كل أمورها. شارت الساعة إلى العاشرة . لقد جلس ينتظر ما يقرب على الثلاث ساعات. أتى الجرسون مرة أخيرة "هل تريد شيئاً اخر يا سيدى؟". نظر بحزن إلى الكرسى الخالى وقال : "لا، شكراً. سأنصرف الآن. أريد دفع ثمن الشاى". "حاضر يا سيدى". يذهب ويعود بالإيصال. أخرج الرجل محفظة ملآنة بالأوراق المالية، دفع ثمن الشاى و منح الجرسون بقشيشاً سخياً جداً. ولم لا!، فهو ثرى و كريم جداً فى نفس الوقت. إنه يستطيع أن يلبى كل رغبات كاترين، لو طلبت هى فقط......و لكنها لم تحضر و لم تطلب. قام و سار نحو مكتب الحجز، سألته الفتاة الواقفة: "حجز كالمعتاد يا سيدى؟" هز رأسه فى هدوء : "نعم، من فضلك مائدة لشخصين غداً الساعة السابعة". "سيدى، هل تظن إنها ستأتى؟". "أتمنى ذلك، يوماً ما سوف تأتى، وسأكون أنا هنا فى أنتظارها مهما تخلفت هى. طابت ليلتك" خرج و قلبه يصرخ: "لماذا تفعلى بى هذا يا حبيبتى، لماذا لا تأتى، ألا تعلمى مدى اشتياقى إليك؟" هل تعلمون كيف قضت كاترين ليلتها؟ و لماذا تأخرت عن موعد خطيبها؟ لقد كانت تتسكع فى الشوارع مع أصحابها، تأكل سندوتشات الفول و الفلافل. و عندما تذكرت موعد خطيبها قالت: "لا بأس فسوف أذهب يوماً أخر ..... أريد أن أستمتع بوقتى الأن. هو يحبنى و لا يستطيع أن يغضب منى طويلاً، ثم إنه ينتظرنى كل يوم فلن يضيره تغيبى عندما لا أذهب لأراه". أحبائى: ما رأيكم فى هذه الفتاه كاترين؟ هل تستحق حب عريسها؟ هل هى جادة فى علاقتها به؟ الا نفعل نحن ذلك مع حبيبنا الرب يسوع المسيح الذى يقول لنا: "أنا واقف على الباب أقرع، إن فتح لى أحد الباب أدخل إليه و أتعشى معه و هو معى" . كم من مرة تحججنا بأعذار حتى لا نصلى، و نحن لا ندرى إن الرب يسوع ينتظرنا و يشتهى أن يلتقى بنا، ليشبعنا من حبه. فدعونا لا نستهتر بحبه و طول أناته، و لا نجرحه بعدم مبالاتنا. فأخطبك لنفسى إلى الأبد. و أخطبك لنفسى بالعدل و الحق و الإحسان و المراحم. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب
  • على مرصدي

    عَلَى مَرْصَدِي أَقِفُ، ... وَأُرَاقِبُ لأَرَى مَاذَا يَقُولُ لِي، وَمَاذَا أُجِيبُ عَنْ شَكْوَايَ ) حبقوق 2: 1) قد تتثقل أرواحنا، وتتأثر نفسياتنا بأمور تبعث على الحيرة والارتباك، مما يجعل نفوسنا تئن بالشكوى قائلين: «حتى متى يا رب أدعو وأنتَ لا تسمع؟» ( حب 1: 2 . - قد لا تتغير الأمور التي نشكو منها، لكننا في مسيرة الإيمان نواصل سيرنا. فالإيمان لا يُصيبه الفشل والإعياء، لأنه يعرف يقينًا أن المُحبطات لن تُعيق أو تُبطل مقاصد الله للخير والبركة. - إن الإيمان يقف على المرصد مُنتظرًا ومُراقبًا، رغم أنه لا يوجد أشق على الإنسان من انتظار الرب، فالطبيعة البشرية القلقة لا تحتمل التأخير، ولكن الإيمان يُراقب ساهرًا. - إن الذين يقفون على المرصد يُدركون أن انتظارهم صامتين ليس بالوقت الضائع، لأنهم يعلمون أنه حتمًا سوف يُعلن لهم الرب أفكاره. - إن الذين على المرصد يدخلون مِن خلال تلك التدريبات الروحية إلى أعماق محبة الله، وعندئذٍ تكون النفس مُهيأة تمامًا للإصغاء إلى صوت الرب في هدوء، وقبول تعاليمه وتوجيهاته. - إن الذين يقفون على المرصد يُدركون أن هذه المحبة تجد سرورها في الإجابة عن تساؤلات القلب المُتحير، لتمنحه الاطمئنان الواثق الهادئ. - عندما يأتي جواب المحبة فإنه يكون واضحًا وجليًا كالنور، خاليًا من كل الألغاز، وَسَيَفْهم الواقفون على المرصد هذا النور الحق، بيقين شديد. - عندما يصلنا هذا النور فإن أفكار الله تُنقش على صفحات القلب، وعندئذٍ يجب أن نركض للإخبار بها ( حب 2: 2 )، فهي إعلانات السماء للأرض، وهي أخبار الله المُفرحة والمُبهجة للنفوس. - إن أخبار الله المُفرحة بحق هي تلك التي تُعلن شخص المسيح وعمل محبته لأجلنا، وكل بركة ترتبت على سفك دمه على الصليب. - إن شعورنا إزاء إحسانات وعطايا الله لنا هو شعور عدم الاستحقاق، إلا أن هذا الشعور يجعل قلوبنا قريبة جدًا من ينابيع تلك المحبة الأزلية جوزيف وسلي
  • يُجِيبُ من داخل

    يَا صَدِيقُ، أَقْرِضْنِي ... فَيُجِيبَ ذَلِكَ مِنْ دَاخِلٍ وَيَقُولَ: لاَ تُزْعِجْنِي! ( لوقا 11: 5 ) أي جواب يُنتظر صدوره من شخص يُجيبُ مِن داخل؟ طبعًا «لا تُزعجني»، لأن الشخص الذي ينعكف في دائرة راحته الشخصية لا يُريد أن يُزعجه أحد، بل لا بد أن يقول حتى لمَن يدعوهُ كصديقه: «لا أقدر أن أقوم وأُعطيك». ولماذا لا يقدر؟ «الباب مُغلق الآن، وأولادي معي في الفراش». يا لها من أعذار ناشئة عن محبة الذات! لقد سَمَا ربنا المبارك يسوع المسيح فوق كل هذا، لأن بابه لم يُغلَق قط، ولم يكن ليُجيب «من داخل» قط، بل كانت عنده في كل حين إجابة مستعدة لكل طالب محتاج، وقد كان مشغولاً باحتياجات البشر لدرجة أنه لم يكن لديه وقت ليأكل أو يستريح. وقد كان واهبًا نفسه تمامًا لخدمة الآخرين حتى كان يُمكنه أن يقول: «سهَوت عن أكل خبزي» ( مز 102: 4 ). ولم يتذمر قط من طلبات البشرية المحتاجة التي تُعْرَض عليه بدون انقطاع، ولم يُعدِّد قط الأعمال الكثيرة التي عليه أن يعملها، ولا شَكَا مِن كثرتها، بل «جالَ يصنعُ خيرًا ويشفي جميع المتسلِّط عليهم إبليس». وكان يجتمع حوله الفقير والمحتاج، ثقيل الحِمل وكسير القلب، التعيس والمنبوذ، الغريب ومَن لا مأوى له، اليتيم والأرملة، المريض والوحيد الذي ليس له أحد، الجميع يزدحمون حوله واثقين أنهم واجدون فيه نبعًا فائضًا باستمرار يُرسِل إلى جميع النواحي مجاري العطف الحي نحو جميع أشكال الأعواز البشرية. فباب قلبه كان دائمًا مفتوحًا على مصراعيه، ولم يَقُل قط لذي حاجة أو حزن «لا أقدر أن أقوم وأُعطيكَ»، بل كان دائمًا على استعداد لأن يقوم ويذهب مع كل طالب محتاج، وكان قوله المأثور: «مغبوطٌ هو العطاء» ( أع 20: 35 ). هكذا كان الرب يسوع في أيام جسده على الأرض، وهكذا هو ”اليوم وإلى الأبد“. الذي مجده ملء جميع السماوات، لا زال بابه مفتوحًا، يُرحِّب بأشر وأردأ الخطاة المعوزين. هناك يستطيعون أن ينالوا غسل خطاياهم بدمه الكفاري، ويستطيعون أن يحصلوا على الغفران والسلام، الحياة والبر، السماء ومجدها الأبدي، الكل كهِبَة مجانية من نعمة الله. وفي طريقهم من النعمة إلى المجد يستطيعون أن ينالوا كل محبة قلبه وقوة ذراعه؛ ذلك القلب الذي أظهر حبه العجيب على الصليب، وتلك الذراع التي ستحمل أعمدة القضاء الإلهي إلى الأبد تشارلز إنجلز
  • قوة العامل للخدمة

    كُلُّ مَا تَجِدُهُ يَدُكَ لِتَفْعَلَهُ فَافْعَلْهُ بِقُوَّتِكَ ( جامعة 9: 10 ( لا أظن أنه يوجد تعبير في الكتاب المقدس أكثر مناسبة للعامل المسيحي من هذا العدد «كل ما تجدُهُ يَدُكَ لتفعله فافعله بقوتك» ( جا 9: 10 ). ولكن علينا أن نتأمل في الأعداد القليلة التي تسبق هذا العدد لكي نعرف نوع اليد التي يستخدمها الرب. ففي العدد 4 من نفس الأصحاح نقرأ: «الكلب الحي خيرٌ من الأسد الميت». فالله لا يستخدم الميت، بل يطلب يدًا حية في خدمته. وفي العدد 7 نقرأ: «اذهب كُل خبزك بفرح، واشرب خمرك بقلبٍ طيب». والخبز والخمر رمز القوة. وما أحوج عمل الرب إلى الأيدي القوية لكي يستخدمها لمجده! وفي العدد 8 نقرأ: «لتكن ثيابك في كل حين بيضاء ولا يُعوز رأسك الدُّهن». واللون الأبيض يُشير إلى النقاوة. وعلى ذلك يجب أن تكون اليد العاملة يدًا: حيَّة، قوية، نقية. نقرأ في أعمال 28 أن السفينة كُسرِت ببولس. وبينما كان بولس يُشعل نارًا نشبت أفعى في يده، ولكنه استطاع أن ينفضها إلى النار. فهل تستطيع اليد الميتة أن تنفض عنها ما ينشب فيها؟ هكذا لسنا نعمل حسنًا إن كنا نكرز والأفعى مُعلَّقة بأيدينا. يجب أن تكون في العامل حياة، وإلا فلن يسمع له الناس. وإن الأفعى الناشبة في أيدينا في هذه الأيام هي أفعى عدم المبالاة. ولو كنا نتأمل في مصير النفوس البعيدة، والشقاوة التي تنتظرها، لَكُنَّا نكرز حقًا! الله يُريدنا أن ننفض عنا هذه الأفعى الشنيعة، لكي نعمل باجتهاد ما دام نهار. ولنا في 1صموئيل 13: 19 -22 درس في غاية الجمال والمناسبة. هناك نجد الفلسطينيين لا يسمحون بوجود صانع في كل أرض إسرائيل لئلا يعمل العبرانيون سيفًا أو رمحًا، «بل كان ينزل كل إسرائيل إلى الفلسطينيين ليحدد كل واحدٍ سِكَّته ومنجله وفأسَهُ ومعوَلهُ ... وكان في يوم الحرب أنه لم يوجد سيفٌ ولا رُمحٌ بيد جميع الشعب». هذه حيلة جبارة من حيل العدو التي بها يكسر قوة شعب الله. ليس لنا أن نذهب إلى العالم لكي نُحدد سيوفنا. علينا أن نذهب إلى الله رأسًا. ليس إلى الشيطان. ليس إلى الخطية. ليس إلى الجسد. بل إلى الله وحده. وكخدام لله، وكعاملين في حقل الرب، علينا أن نُدرِّب أنفسنا على استعمال الأسلحة المُعطاة لنا من الرب للحرب ضد أعدائنا (أف6). أعِنَّا لنخدم اسمكَ القدوسْ ونُعلن جمالك لكل النفوسْ نتَّجِرُ بوزناتنا إلى أن تجيء أوزوالد ج. سميث
  • فرح لا يُنطَق به

    وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لَكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ (1بطرس 1: 8 ( كم هي لذيذة هذه الكلمات التي قالها صياد الجليل! إن الذين كتب إليهم بطرس لم يكونوا قد رأوا المسيح قط - مثلنا تمامًا – لكنهم كانوا ”يؤمنون به فيبتهجون بفرح لا يُنطق به“. وهذا يجب أن يكون اختبار كل مؤمن أيضًا. وهو اختبار ينشئه سُكنى الروح القدس. في الأرض أفراح كثيرة، لكن ولا واحد منها يُشبع النفس أو يدوم. يفرح بعض المسيحيين فيما قاموا به من أعمال، وفيما اختبروه من اختبارات، وفي إحساساتهم وعواطفهم وخدماتهم ومعارفهم الروحية. لكن هذه الأفراح - ولو أنها أفراح روحية – ليست مُشبِعة كل الشبع، وليست دائمة، بل هي متقطعة. مكتوب: «لأن فرح الرب هو قوتكم» ( نح 8: 10 ). فالفرح الوحيد الذي لا يُنْطَقُ بِهِ، ولا يُعبَّر عنه، ودائم ومتزايد على الدوام، هو فرح الرب والابتهاج فيه. لكن كثيرون من المؤمنين يُقرِّرون أنهم لا يعرفون من هذا الفرح إلا القليل. إنهم لا يتمتعون بهذه البهجة يومًا بعد يوم، بل غالبًا ما يكتئبون وتُثقَّل قلوبهم، ويتذمرون ويشكون. فكيف إذن يحصلون على هذا الفرح؟ إن ذلك الفرح هو نتيجة مشغولية القلب بالمسيح؛ بشخصه وبمجده، وبالثقة فيه ثقة كاملة. إنه نتيجة الثبات فيه وهو فينا. فبدلاً مِن أن نلتفت إلى الظروف، يجب أن نتعلَّم الالتفات إليه هو، وأن نجعله أمامنا كل حين. هذا ما يرفعنا فوق الظروف الأرضية كلها بأحزانها ومتاعبها. يجب أن يكون مطمَح القلب هو أن نعيش للرب. يجب أن تكون أسعد أوقاتنا هي التي فيها نطلب وجهه، ونكون في شركة معه في الروح، في السجود والصلاة. إن مشغولية كهذه ستقودنا حتمًا إلى إدانة الذات، وإلى الخضوع والتواضع الحقيقي الممدوح من الرب. أيضًا معرفة المسيح التي تُعطينا ذلك الفرح الذي لا يُنْطَقُ بِهِ تعتمد كثيرًا على استخدام كلمة الله باستمرار. ففي الكتاب المقدس يُستعلَن رب المجد، كما يُستعلَن أيضًا مجد الرب. وإذ يخدم بيننا الروح القدس بواسطة هذه الكلمة، يجعل قلوبنا تتحقق شخص الرب يسوع المسيح بصور أوضح، حتى نرى فيه الشخص الوحيد الذي كله مشتهيات. وعندما نُدرك مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة، حينئذٍ نمتلئ بفرح مقدس؛ «فرح لا يُنطَق به ومجيد». أنتَ يا كنز الغِنى نبعُ أفراحِ القلوبْ والعطايا والعزا أنت يا نعمَ النصيبْ وليم بنز
  • أفراح في الزنزانة

    غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهَذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا (فيلبي 1: 18 ( عندما تعرف نفوسنا وتختبر أن الله فوق كل الظروف المعاكسة والمضادة ستبتهج وتفرح نفوسنا بمَن هو فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة ( أف 1: 21 ). كم تزداد نفوسنا تعجبًا وفرحًا عندما نختبر أن ما أراد به الناس أو الشيطان إذلالنا وانكسارنا، تحوَّل بيد الرب لانتصارنا ورِفعتنا ( تك 50: 20 ). إن الرب يُحقق أعظم الانتصارات مما يبدو للعيان شرًا أو كارثة فيُعطي جمالاً عوضًا عن الرماد، ودُهن فرح عوضًا عن النوح، ورداء تسبيح عوضًا عن الروح اليائسة ( إش 61: 3 ). إن السلسلة التي ثبَّتها الجُند الرومان في يد بولس هي ذات السلسلة التي أتت بالحراس واحدًا وراء الآخر لسماع أخبار الإنجيل المفرحة ( في 1: 12 ). ولقد امتلأ قلب بولس بالفرح أيضًا لأن تلك السلسلة التي قيَّدته داخل الزنزانة أعطت الذين هم خارجها الحرية والمجاهرة – بلا خوف - بإنجيل المسيح ( في 1: 14 ). لقد توَّحَدَت مشاعر القديسين في رفع الصلوات والتضرعات لأجل بولس، فاستطاعت صلواتهم أن تُبطِل كل القوى المُعادية، وتُطلِق أسير المسيح حُرًا ( في 1: 19 ). كم امتلأ قلب بولس بالفرح لأجل تلك المشاعر الحُبية الرقيقة التى أظهرها نحوه المؤمنون حيث شاركوه احتياجاته وإعوازاته آنذاك! ( في 4: 14 ). إن مؤازرة الروح تُعطي القوة لكي ترتفع النفس فوق كل شعور بالفشل أو الانكسار أو الرثاء للنفس أو استدرار شفقه الذين حولنا وعطفهم. إن قوة عمل الروح القدس في بولس جعله يضع كل متطلباته الشخصيه جانبًا، وينشغل تمامًا بمصالح المسيح وبتقدم المؤمنين في الإيمان والفرح. لقد آلت زنزانة بولس إلى أفراح خاصة خارج الزنزانة، حينما أُطلق سراحه. فكم تمتع مُحبوه وأصدقاؤه في أجواء الفرح بتلك الشركة المسيحية! فبدون شك أنه كانت لهذه الأفراح مذَاقًا خاصًا بحضور رسول المسيح بينهم استجابةً لصلواتهم وتضرعاتهم لأجل خلاصه من سجنه. عزيزى قد تكون اليوم - في زنزانتك الخاصة بك - تُعاني عوزًا واحتياجًا، وحدة أو حرمانًا، تعبًا أو مرضًا، ولكن اعلم يقينًا أن الرب في لطفه يستطيع أن يُخرِج لك من هذه أو تلك مصدرًا غنيًا لإثراء روحك ببركات غامرة لا تخرج إلا من الزنزانة جوزيف وسلي
  • صلاة يعقوب

    يَا إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهَ أَبِي إِسْحَاقَ ... نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي .. أَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ (تكوين 32: 9) هذه أول صلاة مُسجَّلة في الكتاب ليعقوب، وهي صلاة مقتدرة في فعلها، وفيها الكثير مما يستحق التأمل: أولاً: الإله الذي صلى إليه: لقد اقترب إلى الله ليس فقط كالله الخالق، بل إله أبيه إبراهيم وإله أبيه إسحاق؛ هذا هو إله العهد. وبكِلتا يديه تمسَّك بأمانته. هذه هي صلاة الإيمان، أن ندعوه على أساس العلاقة الوثيقة التي تربطنا به. ونحن عندما نقترب إلى الله فإننا لا نفعل ذلك على أساس أنه إله الآباء، بل كإله وأبي ربنا يسوع المسيح، ومن ثم فهو ”إلهنا وأبونا“، وعندما نتوسل إليه على أساس علاقتنا به فإنه يُسر أن يُباركنا. ثانيًا: ألقى بنفسه على كلمة الرب الصادقة: طالبه بإتمام وعده، وبكل اتضاع ذكَّر الرب بوعده له: «الرب الذي قال لي: ارجع ... فأُحسن إليكَ .. وأنتَ قد قُلت: إني أُحسِن إليكَ». والكتب المُقدسة تحوي الكثير من المواعيد المُقدَّمة للمؤمنين. وإنه امتيازنا أن نأتي إلى الله ونُخصص هذه المواعيد لنا. لقد طالب يعقوب الرب بوعد محدد، وهكذا يجب أن نفعل نحن. ذكِّر الرب بوعده، ثم قُل له كما قال داود قديمًا: «افعل كما نطقت» (2صم 7: 25 ). ثالثًا: اعترَف في صلاته بعدم استحقاقه: لقد أخذ مكان الاتضاع أمام الله العلي، واعترف بأنه لم يكن مستحقًا لأقل مراحم الله وإحساناته «صغيرٌ أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك». إننا نحتاج أن نتضع أمام الرب في التراب، إذا أردنا أن ننال منه بركة. يجب أن نعترف أولاً بعدم استحقاقنا حتى نكون مستعدين أن نقبل منه على أساس النعمة وحدها، إذا أردنا استجابة لصلواتنا. رابعًا: الدافع وراء توسلاته إلى الله: «نجني من يد أخي، من يد عيسو، لأني خائفٌ منه أن يأتي ويضربني الأُم مع البنين». لم يكن يعقوب يطلب لمجرد عواطف المحبة البشرية التي كانت في قلبه باعتباره الزوج المُخلِص والأب الحنون، بل كانت عيناه تتطلع إلى مجد الله. لقد وعد الرب أن يجعل نسله كرمل البحر، لكن لو ضرب عيسو النساء مع الأولاد، فكيف يتحقق الوعد؟! ليس خطأ – بل هو أمر طبيعي – أن نُظهِر كل اهتمام بخلاص أحبائنا، لكن الاهتمام الرئيسي يجب أن يوَجَّه إلى مجد الرب «افعلوا كل شيء لمجد الله..1كو 10: 31 آرثر بنك
  • قوة العامل للخدمة

    يَا إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهَ أَبِي إِسْحَاقَ ... نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي .. أَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ (تكوين 32: 9) هذه أول صلاة مُسجَّلة في الكتاب ليعقوب، وهي صلاة مقتدرة في فعلها، وفيها الكثير مما يستحق التأمل: أولاً: الإله الذي صلى إليه: لقد اقترب إلى الله ليس فقط كالله الخالق، بل إله أبيه إبراهيم وإله أبيه إسحاق؛ هذا هو إله العهد. وبكِلتا يديه تمسَّك بأمانته. هذه هي صلاة الإيمان، أن ندعوه على أساس العلاقة الوثيقة التي تربطنا به. ونحن عندما نقترب إلى الله فإننا لا نفعل ذلك على أساس أنه إله الآباء، بل كإله وأبي ربنا يسوع المسيح، ومن ثم فهو ”إلهنا وأبونا“، وعندما نتوسل إليه على أساس علاقتنا به فإنه يُسر أن يُباركنا. ثانيًا: ألقى بنفسه على كلمة الرب الصادقة: طالبه بإتمام وعده، وبكل اتضاع ذكَّر الرب بوعده له: «الرب الذي قال لي: ارجع ... فأُحسن إليكَ .. وأنتَ قد قُلت: إني أُحسِن إليكَ». والكتب المُقدسة تحوي الكثير من المواعيد المُقدَّمة للمؤمنين. وإنه امتيازنا أن نأتي إلى الله ونُخصص هذه المواعيد لنا. لقد طالب يعقوب الرب بوعد محدد، وهكذا يجب أن نفعل نحن. ذكِّر الرب بوعده، ثم قُل له كما قال داود قديمًا: «افعل كما نطقت» (2صم 7: 25 ). ثالثًا: اعترَف في صلاته بعدم استحقاقه: لقد أخذ مكان الاتضاع أمام الله العلي، واعترف بأنه لم يكن مستحقًا لأقل مراحم الله وإحساناته «صغيرٌ أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك». إننا نحتاج أن نتضع أمام الرب في التراب، إذا أردنا أن ننال منه بركة. يجب أن نعترف أولاً بعدم استحقاقنا حتى نكون مستعدين أن نقبل منه على أساس النعمة وحدها، إذا أردنا استجابة لصلواتنا. رابعًا: الدافع وراء توسلاته إلى الله: «نجني من يد أخي، من يد عيسو، لأني خائفٌ منه أن يأتي ويضربني الأُم مع البنين». لم يكن يعقوب يطلب لمجرد عواطف المحبة البشرية التي كانت في قلبه باعتباره الزوج المُخلِص والأب الحنون، بل كانت عيناه تتطلع إلى مجد الله. لقد وعد الرب أن يجعل نسله كرمل البحر، لكن لو ضرب عيسو النساء مع الأولاد، فكيف يتحقق الوعد؟! ليس خطأ – بل هو أمر طبيعي – أن نُظهِر كل اهتمام بخلاص أحبائنا، لكن الاهتمام الرئيسي يجب أن يوَجَّه إلى مجد الرب «افعلوا كل شيء لمجد الله..1كو 10: 31 آرثر بنك
  • داود بين الفلسطينيين!

    وَقَالَ دَاوُدُ فِي قَلْبِهِ: إِنِّي سَأَهْلِكُ يَوْمًا بِيَدِ شَاوُلَ, فَلاَ شَيْءَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُفْلِتَ إِلَى أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ (1صموئيل 27: 1) كم فقَدَ داود تمامًا الإحساس بكفاية الله له عندما قال: «لا شيء خيرٌ لي من أن أُفلِت إلى أرض الفلسطينيين». ألا يوجد ما هو أفضل لرجل الإيمان من الرجوع إلى العالم للاحتماء به؟ ما أغرب هذا الاعتراف وما أحمقه! إنه اعتراف شخص سمح للظروف أن تقف بينه وبين الله. ونحن إنما نتعرَّض إلى أبعد المتناقضات إذا ما زلَّت أقدامنا عن طريق الإيمان الضيق. ولا يوجد ما يُبيِّن الفرق الشاسع بين إنسان ينتظر الرب وآخر ينظر إلى الظروف نظير حالة داود في وادي البطم أو في مغارة عدلام، وبين داود وهو يخربش على مصاريع باب الملك الفلسطيني ( 1صم 21: 13 ). وفي هذا التباين إنذار لنا إذ يُعلِّمنا مَنْ نحن. إننا مجرَّد خلائق مسكينة ساقطة، عاثرة، ميَّالة إلى الزيغان والانحراف إلى الشر، ميَّالة لترك صخر الدهور والاتكال على قصبة العالم المرضوضة، ميَّالة لترك ينبوع المياه الحية لتنقر آبارًا مُشققة لا تضبط ماء. حقًا إننا في حاجة شديدة للسير في تواضع وخوف، بل في حَذَر وانتباه وصلاة أمام الله، وأن نُردِّد صلاة داود نفسه باستمرار «أسندني فأخلُص، وأُراعي فرائضك دائمًا» ( مز 119: 117 ). إننا نحتاج إلى أن تكون أقدامنا مثل أقدام الأيائل، حتى نستطيع السير في الأماكن الزلقة والتسلُّق على قِمم الجبال العالية، وليس سوى النعمة الإلهية تُهيئنا للثبات في السير باستقامة وبلا التواء. إن الذين يحفظهم الله في يده، هم الآمنون وحدهم، وما أسعد حظنا أن يكون لنا ذلك من قِبَل الرب! إن الابتعاد عن مكان التجربة سهل جدًا، ولكننا بذلك إنما نبتعد عن مكان البركات أيضًا. ولو بقىَ داود في المكان الذي فيه يتعرَّض لشاول ويتمتع في الوقت نفسه بلذة حماية إله إسرائيل له، لكان ذلك أفضل له من أن يطلب الحماية من ذراع ملك جت. وبالرغم من كل ما يُقال من أنه يوجد فرق كبير بين وضع داود وامتيازاته، وامتيازات كنيسة الله الحي حاليًا، إلا أن الطبيعة البشرية لم تتغيَّر على مرّ العصور والتدابير، ولذلك فإننا نُخطئ بشدة إلى أنفسنا إذا فشلنا في تعلُّم أثمن الدروس من أخطاء شخص متقدم جدًا في مدرسة الله نظير داود. فلا شك أن التدابير تختلف تمامًا في ملامحها الأساسية، لكن هناك تطابق عجيب في مبادئ الله للتلمذة في كل العصور، مهما اختلفت مفاهيم شعب ماكنتوش
  • الحياة التي تمجد الله ليست هي حياة الشهرة

    إننا نعيش في عالم يشترك أغلب الموجودين فيه في سباق الشهرة، و الشهرة ليست هدفا غريبا على من يعيشون في العالم لكن الغريب هو أن يصل نسخة من هذا السباق للحياة الروحية ليشترك فيه من يعرفون الله. يحاول الكثيرون أن يكونون أكثر شهرة من خلال مواهبهم المبهرة، أو كلماتهم الرنانة، أو علاقاتهم الكثيرة، أو حتى بصورهم الجميلة. و السؤال الأهم في حياة من يشتركون في سباق الشهرة هو "كم عدد؟؟؟؟"، كم عدد من أعجبوا بكلماتي؟، كم عدد من أعجبتهم صورتي؟، كم عدد من حضروا عظتي؟، كم عدد من قالوا لي كلمات المدح بعد ما فعلت أو قلت أو كتبت؟، لكن الحقيقة أن هناك كثيرون ممن يلفتون انتباه الآخرين و ينبهر بهم الأغلبية لكن حياتهم لا تعجب الله، و العكس صحيح فهناك أناس لا يشتركون في سباق الشهرة هذا، و هم دائما بعيدا عن الأضواء، لن تجدهم أبدا على خشبة مسرح المواهب العظيمة و القدرات الكبيرة بل هم فضلوا الوجود في كواليس مسرح المواهب و أن يكونوا خلف كاميرات الخدمة، لكن بينما هم بعيدون عن انتباه و نظر الناس هم في بؤرة اهتمام الله، لأن حياتهم السرية الأمينة تنال مدح الله و إعجابه، و هؤلاء الناس السؤال الأهم في حياتهم ليس كم عدد بل سؤال مختلف هو "هل ما أفعله يرضي ربي من يرى في الخفاء؟؟". و سباق الشهرة هذا ليس اختراع جديد لكنه قديم جدا ففي وقت مجيء المسيح الأول كان هناك أناس مشتركون أيضا في نفس السباق، يصومون و يصلون و يعطون لكي يتقدموا في سباق الشهرة محاولين جذب انتباه الناس و تصفيق الجماهير، لكن يسوع أرسى سباق آخر، سباق بلا جماهير، سباق تشترك فيه وحدك في حضور حَكم واحد، فعندما تصلي أدخل غرفتك و صلي لأبيك الذي في الخفاء، و عندما تعطي أو تصوم لا تفعل ذلك من أجل الناس(مت 6: 1-18). هناك مشهدين شديدا الخطورة، الأول نرى فيه أناس عاشوا على الأرض مشهورين جدا بحكم أفعالهم العظيمة، فمن يصنعون القوات الكثيرة و يتنبئون و يخرجون الشياطين بالتأكيد يتمتعون بقدر وافر من الشهرة، لكن بينما هم مشهورين على الأرض كانوا مجهولين في السماء، اسمع ما قاله السيد لهؤلاء "أني لم أعرفكم قط أذهبوا عني يا فاعلي الإثم..مت 7: 23"، لم يعرفهم قط مع أنهم كانوا معروفين جدا في الأرض!، كان لقبهم على الأرض فاعلي الأمور العظيمة بينما عند الله كان لقبهم فاعلي الأثم، استخدموا اسمه لا لتمجيد اسمه بل ليصنعوا لأنفسهم اسما!!!، و على النقيض في مشهد آخر نرى أناس يمكن أن يكونوا عاشوا حياة عادية من وجهة نظر كثيرين ليست بها أحداث كبيرة أو مبهرة، كل إنجازهم في الحياة كان رغيف خبز لجائع و كوب ماء لعطشان، الحدث الأهم في مشوارهم كان زيارة مريض أو استضافة غريب، بالطبع من وجهة نظر الأغلبية هذه ليست إنجازات أو أحداث هامة حتى هم أنفسهم نسوا متى فعلوا ذلك، لكن من وجهة نظر السيد كانت هذه أمورا استحقت أن يقول لهم "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم..مت 25 : 34"، عاشوا مجهولين على الأرض معروفين في السماء ليسمعوا كلمات المدح من السيد. أخيرا أختم بهذه الآية "و لكن لنا هذا الكنز في أوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا..2كو 4 :7" إن المكان الطبيعي للكنز و الذهب هو صندوق المجوهرات، لكن كنز الله تجده هناك في أوان خزفية. هناك أناس مبهرين و ذوي قدرات عالية لكن صناديق المجوهرات الفخمة هذه قد تحتوي بداخلها على حصى و حجارة بلا قيمة، أما الكنز الحقيقي و الحجارة الكريمة فستجدها في أواني لا تسعى لتحقيق شهرة أو اسما، بل غاية حياتهم تمجيد اسم ذاك من فداهم، الكنز هناك مع من لا يعيشون لكسب المزيد من المعجبين بل لكسب رضا الله و الله فقط، و ستكشف الأبدية عن صناديق مجوهرات أبهرت الناس بفخامتها و لكنها بالداخل خلت من الكنز و ستكشف أيضا عن أوان خزفية كانت مجهولة من كثيرين لكنها كانت ذات صدى في السماء. طوباك يا من تعيش أمينا في الخفاء لا يهمك إعجاب الأرضيين بل كل همك إرضاء من في السماء سيأتي يوما و إن عشت مغمورا هنا لكن نجمك هناك سيكون شديد الضياء
  • ذاكرة من نوع آخر

    إن ذاكرة الإنسان تحتفظ بالإساءة, فهناك كثيرون يحملون بداخلهم ذكرى إساءات منذ زمان بعيد, و لا ينسون اهانات مرت عليها عشرات السنين, بل أغلبنا لديه سجلات من هذا النوع, سجل نحتفظ فيه بأخطاء الآخرين و المرات التي جرحت فيها كرامتنا, و كما أن للإنسان ذاكرة حديدية في تذكر الإساءة كذا ذاكرته هشة لا تحتفظ بالجميل, فالإنسان سريعا ما ينسى المعروف. في سفر أرميا آيتان يخبرونا حقيقة هامة عن شخصية الله, الأولى " اذهب و ناد في أذني أورشليم قائلا هكذا قال الرب قد ذكرت لك غيرة صباك محبة خطبتك ذهابك ورائي في البرية في ارض غير مزروعة..أر 2 : 2 " أتحدى أن يجد أكثر شخص إيجابي تعرفه شيئا جيدا في الأربعين سنة التي قضاها الشعب في البرية أثناء رحلته من مصر إلى كنعان, لم يتذكر الله العجل الذهبي الذي أحتفل به الشعب و اعتبروه الإله الذي أخرجهم من مصر ( خر 32 :4 ), و لم يتذكر أن الشعب تمنى العودة إلى عبودية مصر ( خر 14 : 12 ), ما تذكره الله للشعب هو محبة الخطبة و غيرة الصبا, تذكر الجزء المضيء من رحلة مليئة بظلمة التذمر و التمرد. لماذا يفعل الله ذلك؟, السر في الآية الثانية في نفس السفر " لأني أصفح عن أثمهم و لا اذكر خطيتهم بعد .. أر31 : 34 " نعم ذاكرة الله لا تذكر التعديات ( عب 8 : 12 ), و هو ما يفعله الله معنا أيضا, ففي حنانه لا ينسى أعمال المحبة و تعبها ( عب 6 : 10 ) حتى لو كانت أعمال صغيرة و مضى عليها زمان بعيد, و في غفرانه ينسى تعدياتنا الحاضرة المستمرة لأنه ماحي ذنوبنا و خطايانا لا يذكرها ( أش 43 : 25 ), و أمام هذه الحقيقة يجب أن يكون لنا رد فعل مزدوج أولا أن نشكر الله على ذاكرته, تخيلت لحظة لو كانت ذاكرة الله مثل ذاكرتي و تساءلت ترى ما حجم السجل الذي سيسجل فيه أخطائي؟ هل تشعر معي إنه امتياز عظيم أن الله ذاكرته ليست مثل ذاكرتنا؟, و لكن مع هذا الامتياز مسئولية أن نصلي لتكون لنا ذاكرة من نفس نوع ذاكرة الله, ليتنا نغفر للآخرين زلاتهم و نترك من قلوبنا ما لنا على أخواتنا (مت 18 : 35 ), ليتنا نمزق كل سجلات لأخطاء الآخرين و نستبدلها بأخرى نسجل فيها إحسانات الله كذا أعمال رحمة الآخرين تجاهنا حتى لو كانت صغيرة. " المحبة لا تظن السوء = المحبة لا تحتفظ بسجلات أخطاء الآخرين ( ترجمة الحياة ) 1 كو 13 : 5 "
  • لا غفران بدون دم

    هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" ﴿متى ٢٦: ٢٨﴾ لماذا سفك المسيح دمه لأجلنا؟ هل كان من المحتم أن يتم عمل الفداء هذا؟ إن قرأت الكتاب المقدس بكل تدقيق، ستجد الخيط القرمزي الذي يرمز إلى الفداء يتخلله من أوله إلى آخره. إنّ الدم يبدأ من سفر التكوين وينتهي بسفر الرؤيا. خذ الدم من جسدي تنتهي حياتي. فحين يطلب الله الدم، فإنه وبمعنى أوضح يطلب الحياة. لقد "أخطأنا كلنا وأعوزنا مجد الله"، وينبغي أن نموت من أجل خطايانا أو نبحث عن بديل أو نائب يموت لأجلنا، ونحن لا نستطيع أن نجد إنساناً يموت نيابة عنا، لأنَّ كل إنسان ينبغي أن يموت من أجل خطاياه الشخصية هو، "إذ الجميع أخطأوا" ﴿رومية ٣: ٢٣﴾ . لكن المسيح الكامل الذي لم يخطئ قط، و"الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر" ﴿١بطرس ٢: ٢٢﴾، والذي تحدَّى اليهود قديماً أن يبكته أحدهم على خطية واحدة ارتكبها، إذ قال: "من منكم يبكتني على خطية" ﴿يوحنا ٨: ٤٦﴾، هو وحده الذي يصلح أن يموت نيابة عني وعنك. ولقد مات المسيح فعلاً من أجلي، ومن أجلك، ومن أجل الجميع. إن دم المسيح - مثل حياته - ليس له بداية أو نهاية. إنه دم أزلي. والرموز والإشارت التي تشير إلى دم المسيح تملأ صفحات العهد القديم من أوله إلى آخره. فقصة إطاعة إبراهيم لأمر الله بالتضحية بابنه تُظهر لنا كيف أنَّ حيواناً بريئاً قد سُفك دمه من أجل ابنه أي من أجل مذنب أثيم. وما هذا إلا رمز للذبيحة العظمى وعمل المسيح الكفاري على الصليب. لقد أحبَّ الله إبراهيم كثيراً لدرجة أنه فدى ابنه من الموت، لكنه أحبَّ العالم أكثر جداً لدرجة أنه بذل ابنه الوحيد لخلاصنا أجمعين. وكل هذه كانت رموزاً وظلالاً لحمل الله الذي يرفع خطية العالم كله، وللدم المزمع أن يسفك عن كثيرين لمغفرة الخطايا. ليس بإمكان الفضة والذهب أن يفديا الإنسان أبداً. لقد دخل الموت إلى العالم بالخطية، ولا يوجد إلا الدم الذي يكفر عن الخطية. إن "الفداء" يعني الشراء مرة ثانية، لقد بعنا أنفسنا للشيطان والخطية، لكن المسيح جاء لكي يشترينا ويفتدينا ويرجعنا لله مرة ثانية. "وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه" ﴿كولوسي ١: ٢٠﴾. لأنه لا يوجد سلام في هذا العالم. ولا يوجد إنسان يعرف معنى السلام طالما أنه لم يتصالح مع الله بعد. وليس هناك من وسيلة للتصالح مع الله سوى الدم. فبواسطة موت المسيح على الصليب وبواسطة سفك دمه الكفاري أصبح الإنسان الخاطي مبرراً أمام الله وكأنه لم يفعل خطية واحدة. والله ينظر إلينا في المسيح فيجدنا أبراراً غير مُدانين بشيء من الخطايا. فلقد كان دم المسيح ولم يزل مغسِّلاً ومطهراً ومقدِّساً لكل المؤمنين الذين قبلوه وآمنوا بموته على الصليب من أجل خطاياهم. لقد مزَّق موت المسيح على الصليب الحجاب الفاصل بين الله والناس بعد أن تمزَّق حجاب الجسد على الصليب بواسطة سفك دم المسيح من أجل الخطايا. فلم نعد بحاجة إلى شخص أو ملاك لكي يشفع فينا. ولن يوجد قط شفيع يستطيع أن يتكلم أفضل من دم المسيح الذي عن طريقه صرنا ملوكاً وكهنة لله. إنَّ شفاعة الدم قوية وفعالة ومستمرة ولا تحتاج إلى أي شفاعة أخرى تسندها. ففي دم المسيح غلبة على الشيطان وعلى العالم وعلى الخطية والجسد. ما أعظم انتصار الإنسان بالدم المسفوك من أجله على الصليب، إذ ليس هناك قوة تستطيع أن تغيرك وتخلصك أكثر من دم المسيح المسفوك على الصليب. اقبل المسيح اليوم وصلِّ في قلبك أن يكون دم المسيح هو طريقك إلى الحياة الأبدية. أيها القارئ الكريم،هل غفرت للآخرين زلاتهم بحقك؟ نرجو أن تكون قد فعلت ذلك.. Call of Hope
  • السلام الذي في يسوع

    سلاماً أترك لكم سلامي أعطيكم" ﴿يوحنا ١٤: ٢٧﴾. ما أعظم الكلمات التي نطق بها المسيح قُبيل صلبه، وما أعظم ما تنطوي عليه من حقائق إلهية مباركة. وبالتأمل في الإصحاحات الأخيرة من إنجيل يوحنا نلاحظ أمرين هامين: الأول هو أنّ السيد كان يعلم بكل ما هو مزمع أن يتألم به. والثاني هو أنه رغم علمه هذا كان يتمتَّع بسلام كامل. يا لعظم هدوئه وثباته في تلك الساعة الحاسمة! ويا لسمو تعاليمه لتلاميذه عن المحبة والفرح والسلام! فما هو إذاً معنى السلام الذي تحدّث عنه يسوع وما هي حقيقته؟ السلام ليس هو السلبية وعدم التأثر بالظروف والمؤثرات التي تدور حولنا، أو كما يظن البعض إنه عدم المبالاة وعدم الشعور. إنه عمل إيجابي. إنه اطمئنان القلب في الداخل من جهة كل الأمور التي تدور في الخارج. ففي غمرة الأحزان والظروف القاسية نجد يسوع يخاطب العالم قائلاً: "سلاماً أترك لكم، سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب" ﴿يوحنا ١٤: ٢٧﴾. ليس السلام نوعاً من الكبت وعدم إظهار المشاعر. ولا هو الركود، مثل البحيرة التي تبدو صافية عندما لا تكون هناك زوابع أو عواصف. كذلك فإنه ليس عدم المبالاة وإغفال الحقائق الأبدية كما يفعل الكثيرون من الخطاة لتهدئة ضمائرهم. من الأفضل لنا أن تمتلئ حياتنا بزوابع الخوف من أن يكون لنا مثل هذا السلام المزيف. إنَّ السلام في حقيقة الأمر لا يتعلق بمشاعرنا المتغيرة المتقلبة، بل يتعلق باقتناعنا وفهمنا لحقيقة الأمور. كيف مات الشهداء وهم في سلام؟ ليس بمشاعرهم وعواطفهم فهي لا تميل للاستشهاد; لكنهم استشهدوا بسبب اقتناعهم بصحة الطريق الذي يسيرون فيه، وبصحة عقيدتهم، وحباً في الذي مات لأجلهم، ولذلك تمتَّعوا بالسلام حتى في ساعة الموت. السلام يتعلق بإيماننا بالحقائق الإلهية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ منا، والتي لو أضطررنا أن نموت في سبيلها لما تردَّدنا، لأننا لا نشك مطلقاً في صحتها. إنَّ سلامنا يستند على "الأمور المتيقنة عندنا"، وعلى "الملكوت الذي لا يتزعزع". وفي الوقت ذاته فهو لا يستند مطلقاً على ما نشعر به، أو على ما يدور في إحساساتنا. وحين يمتلكنا التأكيد والضمان من جهة الطريق الذي نسير فيه فإننا نتمتَّع بالسلام. لما سأل النبي أليشع المرأة الشونمية عن ابنها أجابته: "سلام" ﴿٢ ملوك ٤: ٢٦﴾، مع أنه كان ميتاً حينذاك، وحزنها عليه لا يُعبَّر عنه. فهي لم تبنِ سلامها على الظروف، أو على مشاعرها، بل على صلاح معاملات الله، وعلى إيمانها بأنَّ الله قادر على الإقامة من الأموات. كان هذا هو سلام الرب يسوع أيضاً، راحة داخلية جاءت نتيجة المعرفة الصحيحة والتأكيد المطلق. لاحظْ معرفته بالأبدية في قوله: "في بيت أبي منازل كثيرة... أنا أمضي لأُعدَّ لكم مكاناً" ﴿يوحنا ١٤: ٢﴾. كان يعلم أنه من عند الآب خرج، وكان يعلم لماذا أتى، ويعلم أنه سوف يمضي إلى الآب. وتكراره خمس مرات القول: "أنا ماضٍ... لأبي"، دليل التأكد الكامل من صحة هذه الحقيقة. أما من جهة المستقبل فتظهر معرفته به من قوله: "وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم إليَّ" ﴿يوحنا ١٤: ٣﴾. لقد كان سر سلام يسوع في ساعة آلامه مؤسساً على معرفته وتأكده من أنَّ الحاضر والمستقبل والأبدية هي في يدي الله الآب. وهذه هي نفس الطريق التي بها نستطيع أن نحصل على السلام الذي لا يمكن للعالم أن يعطينا إياه أو يأخذه منا. فما أحوجنا لمثل هذا السلام. كثيرون يتمنون الحصول عليه، ويرغبون من كل قلوبهم أن يتمتعوا به، لكنهم لا يستطيعون، ولا يدركون ما يتمنون. إن حاجتنا إلى السلام تنبع من وجودنا في عالم مضطرب يبغضنا ويحقد علينا من خلال محاربات الشيطان لنا وغياب الله عن حياتنا. لقد علَّم المسيح أننا إذا أردنا أن نحصل على سلامه الحقيقي هذا، علينا أن ندرك أنه الوحيد الذي يمنحنا هذا السلام والثقة بخصوص الحاضر والمستقبل والأبدية. ونحن لا نستطيع أن نعرف هذه الأمور ونتأكد منها إلا عن طريق معرفة الرب يسوع المسيح نفسه. هو الذي أظهر لنا محبة الآب وسلطانه وعلاقته الوثيقة بنا، وهو وحده الذي أخبرنا عن المنازل الكثيرة التي في بيت الآب، وأنه ذاهب ليعدَّها لنا، وسوف يأتي ويأخذنا إليه ثانية. ألا ينبغي أن تدعونا هذه الحقائق المؤكدة الثابتة الراسخة إلى أن نطمئن ونكون في سلام تام؟ على أنّ أعجب جانب في موضوع السلام، وفي كلمة "سلامي" هو "ياء" المتكلم. هذا هو أمجد وأقدس اختبار يمكن أن نحصل عليه. فالمسيح لم يأت لكي يعلِّمنا عن السلام، بل ليسكن فينا بسلامه الشخصي. هذا هو السلام الإلهي، "سلام الله الذي يفوق كل عقل" ﴿فيلبي ٤: ٧﴾. حين كان الرب على الأرض بالجسد كان ﴿مع﴾ التلاميذ، وأما الآن فهو ﴿في﴾ المؤمن بالروح القدس. لذلك قال لهم: "خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي" ﴿يوحنا ١٦: ٧﴾. ﴿هو سيمكث فيكم﴾ في ذلك اليوم - أي عند مجيء الروح القدس - ﴿تعرفون إني أنا فيكم﴾. لاحظ الفرق بين "أترك" و "أعطي" في قوله: "سلامي أترك لكم. سلامي أعطيكم". فالسلام الأول يأتي عن طريق الوراثة، أما الثاني فهو عطية يمنحها الشخص وهو على قيد الحياة. لقد ترك لنا السلام الناتج عن المعرفة والتأكيد، لكنه أيضاً أعطانا سلامه الشخصي الخاص به الناتج من حياته فينا بالروح القدس. وكيف يصبح حلول المسيح فينا بالروح القدس حقيقة ملموسة؟ بالشركة المستمرة بين المسيح والمؤمن لحظة بعد لحظة. " اثبتوا فيَّ وأنا فيكم" ﴿يوحنا ١٥: ٤﴾. عزيزنا القارئ، نتمنى أن يكون سلام الرب يسوع قد حلًّ في قلبك Call of Hope
  • توبوا ... مَنْ له أذنان للسمع فليسمَع

    لقد مهَّد يوحنا المعمدان، بالتوبة، الطريق لمعرفة المسيح وظهوره!! بدون توبة عن الخطية، وندم على حياة الاستهتار، وعودة القلب إلى مخافة الله؛ يتعذَّر استعلان معرفة المسيح وينحجب ظهوره الإلهي عن النفس! «وأنا لم أكن أعرفه لكن ليُظهر لإسرائيل لذلك جئت أعمِّد بالماء ... وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله» (يو 1: 31 و34). إذن، فكانت معمودية يوحنا بالماء للتوبة، ضرورة مطلقة حتى يُستعلن المسيح! ... ولا تزال التوبة في كل حين وحتى هذه الساعة هي الطريق الوحيد الذي يوصِّلنا إلى التعرُّف على شخصية المسيح. فمن لخلال ضغطة الحزن على الخطية والإحساس بالندم القاتل، نستكشف رحمة يسوع وقيمة دمه وقدرة لاهوته على الإقامة من الموت والهاوية!! ... إذا لم نقف على خطر الخطية العاملة فينا ونحس في أعماقنا بسر الإثم، لن نقف يوماً على قيمة الدم الإلهي، ولن نحس أبداً بسر الفداء!! وإن كنا لا نفحص ضمائرنا ونلومها وننازع أنفسنا عن قبائح حياتنا الداخلية وندينها، ونكشف في أخطائنا وشهواتنا وعيوبنا ونجاساتنا حقيقة أنفسنا، فلن نشعر بأي حاجة إلى المسيح، ولن نجد ضرورة ملحة للتعرُّف عليه، ويظل لاهوته مجرِّد موضوع للإيمان يزداد ويتناقص بمقدار البرهان الفكري، أما الدم المسفوك على الصليب فيبدو وكأنه بلا داعٍ، أو كأنه لازمة من لوازم قصة الصليب وحسب!! ... ولكن يا لجلال الرب للقلب التائب!! ويا لقوة الدم للضمير الذي يئن من ثقل الخطية!! حينما تبلغ النفس إلى حقيقة ذاتها بعد أن تكون قد واجهت خطيئتها بشجاعة وصمود دون تهرُّب أو اعتذار أو عطف كاذب ... فحينئذ لا ترى مفراً من السقوط تحت خشبة الصليب!! ... ولا تعود ترى في يسوع موضوعاً فكرياً للإيمان، بل حقيقة حياة من الموت وخلاص من الهاوية. + «مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا» (يو 11: 25)!! + «مَنْ آمن واعتمد خَلُص» (مر 16: 16)!! سؤال: وماذا يحتاج الإنسان الخاطي ليقبل الإيمان بالمسيح، فيقبل الحياة والخلاص؟ الجواب: لا شيء!! فقط لا يعاند الصوت الداخلي، ولا يقاوم الدعوة!! + «الحق الحق أقول لكم: إنه تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات (بالخطية) صوت ابن الله والسامعون يحيون.»! (يو 5: 25) بداية سيرة الخاطي مع الله، كبداية ميت في القبر ... ليس عليه واجبات، لأن ليس له حقوق في شيء! «ليس في الموت مَنْ يذكر ولا في الجحيم مَنْ يعترف لكَ» (مز 6: 5 السبعينية) ... إن الخاطي الذي غرَّته الخطية وقتلته يبدو وكأنه بلا نفس، بلا قوَّة على العمل، بلا حركة في الروح، بلا أُذُن للسمع؛ من أجل هذا جاء ابن الله، كلمة الله الحية، وأرسل صوته بالإنجيل ليزرع بكلمته أُذناً جديدة في النفس الميتة لتسمع الإيمان وتعيه ... وحين يسمع الخاطي صوت ابن الله يحيا ويقوم من بين الأموات!! ... *** الخاطي إنسان في عُرف الروح ميت! ... ولكن لا توجد خليقة مدلَّلة ومحبوبة لدى الله قط مثل الميت المنتن بالخطية! ... فقد كان معروفاً عن المسيح أنه: «محب للعشارين والخطاة.» (مت 11: 19)!! فكل خليقة في الوجود، إن في السماء أو على الأرض، عليها أن تتحرَّك وتجهد وتثابر لتحيا، إلا الخاطي، فلا يطالَب من الله أن يتحرك إلى شيء أو يجهد من أجل شيء أو يثابر على شيء، إلا أن يقبل فقط صوت الله الحنون ولا يرفض دعوة حبه! «والسامعون يحيون»!! ... صوت الله قوَّة ليست محيية فقط بل وجاذبة أيضاً، تستطيع أن تجذب النفس من أعماق الموت والهاوية وتقيمها من قبر الشهوات وتفكها وتدفعها. هذه الأمور يستحيل على النفس أن تؤدِّيها من ذاتها، بل ويستحيل عليها حتى أن تتشارك فيها ولا بشيء من الجهد، ولكنها مطالَبة فقط أن لا ترفضها ... + «لا يقدر أحد أن يُقبـِل إليَّ إن لم يجتذبه الآب» (يو 6: 44). + «... ومَنْ يُقبـِل إليَّ لا أُخرجه خارجاً.» (يو 6: 37) *** وفي اللحظة التي يتقبَّل فيها الخاطي صوت الله تنـزرع في نفسه الميتة أذن روحية «يوقظ كل صباح، يوقظ لي أُذناً لأسمع كالمتعلِّمين، السيد الرب فتح لي أذناً وأنا لم أعاند، إلى الوراء لم أرتد.» (إش 50: 4 و5) وحينما تتفاعل الأذن الروحية مع هذا الصوت بنجاح، فالروح ينسكب في النفس خالقاً قلباً جديداً روحيًّا للإنسان من صنع الله، يبدأ في الحال ينبض بالإيمان والولاء للذي فداه من الموت وخلصه. وحينئذ يأخذ الإنسان قوَّة على التحرُّك نحو الله والاجتهاد لإرضائه والمثابرة على حبه ... هنا تبدأ سيرة جديدة للخاطي تجاه الله الذي دعاه، واجتذبه من موت الخطية وفداه، وطهره من نجاساته وأحياه بدم يسوع المسيح وقوة قيامته من الموات؛ هنا يصبح الخاطي مطالباً - بعد أن ذاق ذلة الموت وتذوق مجد الحياة - أن لا يعود يسير بقدميه في طريق الموت! ... وأن يبغض الطرق الخادعة المؤدية إلى الهلاك! ... ويبغض الإثم! ... وبقدر ما طهره الله - ببر يسوع المسيح - من نجاسات الخطية القاتلة، أصبح مطالباً أن يسعى في أثر القداسة للحياة مع الله بقوة الله «نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين» (1بط 1: 15)!! بل وأصبح من صميم سيرة الخاطي المطهر بالدم الإلهي أن يُسر ويفرح ويخبر بفضل الذي دعاه من الظلمة إلى نوره العجيب (1بط 2: 9)!! فإن كانت بغضة الخطية القاتلة هي من صميم فعل الندامة والتوبة، فالفرح ببر المسيح وفعل دمه الماحي للذنوب والخطايا هو نور التوبة وبهجتها، الذي يحفظ الخاطي من النظر إلى الوراء ويؤمِّنه ضد رعبة الموت الوهمية ... وهكذا يصبح الخاطي - بعد أن يحصل على قوَّة التوبة بفرح بر المسيح - قادراً أن ينطلق باستمرار من تعقب الظلمة له ومخاوفها، ويواجه نور الحاضر ورجاء المستقبل؛ «الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته» (كو 1: 13)، ويصارع ضد شرور هذا الزمان بلا خوف، مستتراً في المسيح ومتشبثاً بدعوته حسب إرادته وبقوة دمه ... «الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير حسب إرادة الله وأبينا» (غل 1: 5). *** الخاطي يسعى بتوبته لميراث الملكوت، ولا يملك إلا قوَّة الدعوة التي حظي بها، كبرهان اختيار ونعمة، تحوي في داخلها سر الدم الإلهي القادر أن يغسل ويطهر ويقدس إلى التمام، وحتى النهاية، بدون نقص أو عجز أو ملل من جهة الله!! ولكن كل خطية يقترفها الإنسان بعد ذلك عن وعي وإرادة ويكرِّرها بعدم مخافة وبلا ندم وتوبة، قادرة أن تصيب الأذن الروحية بالصمم والقلب الجديد بالتلف؛ فلا يعود صوت الله يُسمع بقوته المغذية، ولا يعود القلب ينبض بالإيمان الحي، ولا تعود النفس قادرة على التحرُّك أو الاجتهاد أو المثابرة كما ينبغي ... وحينئذ تدب في النفس شيخوخة روحية مبكرة تنذر بالخوف والخطر!! «وإن ارتد لا تُسر به نفسي.» (عب 10: 12) كلمة الله لا تحيي مرَّة، بل تحيي مرات ومرات لا تُحصى وبلا عدد، وصوت الله قوَّة لا تقيم من الموت فقط بل تقيم من الهاوية، ولكن لابد أن يعرف الإنسان من أين سقط!! ... ولابد أن يحصر خطيته، ولابد أن يتوب عنها باكياً نادماً في التراب حتى ولو كان ملكاً!! ... ولابد أن يطرح نفسه تحت توبيخ الكلمة وانتهارها مهما كان عظيماً، كمريض مدنف على الموت يسلم جسده لسلاح طبيب جراح. فالخطية سرطان الروح إذا استؤصلت مبكراً تنجو النفس، وإذا استهين بها توغلت واستشرت وخربت؛ فهي لا تعيش إلا ليموت الإنسان! ... «فاذكر من أين سقطت وتب، واعمل الأعمال الأُولى، وإلا فإني آتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب» (رؤ 2: 5). للأب متى المسكين
  • القيــامـــــة

    أخريستوس آنستي هذا هو هتاف الكنيسة الأولى الذي ألهب الروح فيها، مُنبئاً بافتتاح عصر الملكوت. في يوم الجمعة العظيمة استودعنا آدم في المسيح بلحن ”غولغوثا“، ميِّتاً على الصليب. وفي السبت الكبير دفنَّاه بأطياب وحنوط للجسد، وبموته انتهى عصر البشرية العتيقة. واليوم ينبثق نور الحياة الجديدة من ظلمة قبر الإنسان الأول، ويقوم المسيح، الإنسان الثاني، مِن بين الأموات باكورة الخليقة الجديدة ورأسها، مُعلِناً بداية عصر الدهر الآتي وظهور ملكوت الله داخل القلوب. يوم الجمعة العظيمة كان أعظم أحداث الخليقة قاطبة. كان يوم تصفية ليس لكل خطاياها وأوجاعها التي حملها المسيح في جسده على الصليب فحسب، بل كان تصفية جذرية ونهائية لعنصر الظلمة ورئيسها وجوهر الخطيئة ذاتها وينبوعها. لقد دان الله الخطيئة والعالم في الجسد، فمات المسيح على الصليب حاملاً في جسده لعنة آدم وكل بنيه، وشوكة الموت مغروسة في جبينه. وبموت البار من أجل كل الأَثـَمَة بل من أجل البشرية الأثيمة كلها، تمَّ حُكْم الناموس في كل ذي جسد!! فإن «كان واحد قد مات لأجل الجميع، فالجميع إذاً ماتوا» (2كو 14:5) . وبموت الجميع في المسيح انتهت البشرية الأولى بكل لعنتها، ودُفنت في السبت الكبير استعداداً ليوم الخليقة الجديدة. القيامة التي أكملها الرب في اليوم الثالث وفي الجسد الميت ذاته، بذات جروحه المميتة العميقة الغائرة وجنبه المفتوح، هي بالنسبة للمسيح قيامة من بين الأموات؛ أما بالنسبة لجسد آدميتنا الذي مات به فهي خليقة جديدة: «إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة!!» (2كو 17:5) القيامة انتقال من الظلمة إلى النور: عندما انتهى العالم إلى قرار صلب المسيح، قال الرب لصالبيه: «هذه ساعتكم وسلطان الظلمة... الآن دينونة هذا العالم» (لو 53:22، يو 31:12) فكانت هي الساعة الأخيرة في عمر العالم العتيق والإنسان الأول. وبقيامة الرب استُعلِن العالم الجديد بإنسانه الثاني الجديد، عالم خَلَقَه الله بيسوع المسيح ليكون الله فيه، والمسيح هو نفسه ملكاً عليه، وإليه ينقل الإنسان الذي يلده بروحه، مجدِّداً كل مَن يعتمد ويؤمن باسم ابنه؛ ينقله الآب من الظلمة الأولى وسلطان الشيطان إلى ملكوته الأبدي ونوره العجيب:«الذي أنقذنا من سلطان الظلمة. ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته» (كو 13:1) . فإن كانت القيامة بالنسبة للمسيح هي أولاً وبالضرورة قيامة: ”من بين الأموات“، لأن الذي صعد هو الذي نزل أولاً، والذي قام هو الذي مات أولاً. فالقيامة بالنسبة لنا لابد أن تكون قيامة ”من بين الأموات“، ويتحتَّم لكي نقوم أن نموت أولاً. إن القيامة التي قامها المسيح بكل مجدها وهباتها لم تأتِ من فراغ بل بدأت من قبر ومن ظلمة، من موت حقيقي، من تسليم كلِّي للذات في يدي الآب، من طاعة شُجاعة مُذعنة مُريدة سارت بأقدام الحب حتى الموت، موت الصليب!! يستحيل أن نذوق القيامة ونحن لم نُكمِل واجبات الموت وطقوس الدفن الإرادي، لأن الذي يريد أن يقوم مع المسيح يتحتَّم عليه أن يعتمد لموته ويُدفن معه بإرادته حيًّا. يستحيل أن ينقلنا الآب إلى نور ملكوت ابن محبته، ونحن فينا شيء من الظلمة. لا يمكن، بل ويستحيل أن تعْبُر ”الخليقة العتيقة“ لتعيش في دائرة ”القيامة“، لأن القيامةَ روحيةٌ هي، وروحية خالصة! المولود من الجسد جسدٌ هو، وحسب الجسد يعيش ويُفكِّر ويفرح ويحزن ويطمئن ويندم، حيث كل معيشته وأفراحه وأحزانه واطمئنانه وندمه كلها تدور حول أمور الجسد والنفس والدنيا وغرورها وهمومها. أما حياة القيامة فهي بدء الميلاد الثاني، وهي بالروح. والمولود من الروح هو روح، ومعيشته كلها هي بالروح، وكل أفراحه وأحزانه واطمئنانه وندمه كلها تدور حول أمور الروح، وهي بحسب الله يعملها، حتى الأكل والشرب والنوم أو أي عمل آخر، فالكل يعمله لمجد الله! فالإنسان الجسدي والإنسان الروحاني كلاهما يعيش في هذا العالم، وكلاهما يفرح ويحزن ويطمئن ويندم ويجوع ويعطش وينام ويؤدِّي كل مهام هذه الدنيا. ولكن الأول يعيش ويعمل كل شيء للجسد ومن أجل الجسد وخوفاً على الجسد وحباً للجسد، ويموت مع الدنيا؛ والثاني يعيش ويعمل بالروح لمجد الله فقط. لذلك فهو يعيش فوق الدنيا ولا يذوق الموت أبداً. لا يمكن بل ويستحيل أن يَعْبُر الإنسان إلى دائرة القيامة والحياة الأبدية وهو بعد يعيش بالجسد أو من أجل الجسد أو خوفاً على الجسد أو حباً في الجسد. هوذا الله قد خلق، بقيامة المسيح من بين الأموات، كل شيء جديداً، لأن الأمور العتيقة مضت كلها، لقد تصفَّت نهائياً على الصليب، مع كل ما لا ينسجم مع ملكوت الله. لقد جمع الله في ابنه كل معاثر بني آدم مع تفاهات البشر وكل ما كان يعوِّقهم عن الله وما كان يعوِّق الله عنهم، وصلبها في جسده؛ حيث ماتت الآدمية عن كل ماضيها في الخطيئة والتعدِّي، ثم أكملت كل مستلزمات موتها في القبر والهاوية. ثم أقامها المسيح معه في اليوم الثالث خليقة أخرى جديدة فيه ومنه، ليس فيها ما يعوِّقها عن المسير في جدَّة الحياة وبمقتضى ناموس الروح في ملكوت الله. وكأنما قوة الصليب بمفهومه كموت حقيقي قد صارت لنا باب الخلاص من كل ما يعوِّق الخلاص، حيث بقوة موت المسيح يموت الجسد وتموت فيه كل الأهواء مع الشهوات، ويموت العالم من داخل النفس ويخلص الإنسان من طوفان هلاك محيط. القيامة دهرٌ جديد، وبابٌ جديد: بالصليب انتهى دهر ”اللاخلاص“، دهر الخليقة العتيقة، آدم الخطية والموت والأرض وكل شقائها. وبالقيامة ابتدأ دهر ”الخلاص الأبدي“، دهر المسيح والخليقة الجديدة، جيل الإنسان الجديد المولود من فوق لميراث ملكوت الله. الصليب صار كسيفِ لهيب النار المتقلِّب لحراسة الطريق المؤدِّي إلى ملكوت الله حتى لا يدخله أحد ولا شيء ما من الخليقة العتيقة!! والقيامة هي الباب الجديد الذي افتتح به الرب أزمنة الخلاص وبهجة الملكوت وأنار طريق الخلود. أما أزمنة الخلاص وبهجة الملكوت والحياة مع المسيح، فلا تبتدئ من القيامة بل من خلف آلام الصليب؛ حيث في سرِّ الألم والموت يعتمد الإنسان للمسيح لميلاد حياة جديدة وقيامة ليس فيها للألم أو الموت سلطان بعد على حياة الإنسان، إلاَّ ما هو لتعميق الخلاص وكشف الرؤيا وتسهيل العبور. أما الصليب بالنسبة للسائرين في بداية الطريق نحو الملكوت السعيد فيبدو ثقلاً لابد منه، يسألون بلهفة وحزن النفس لو أمكن أن يَعْبُر أو يعبروا من دونه، وكأنهم يريدون أن يلبسوا مسكنهم السمائي على العتيق المُرقـَّع. أما بالنسبة للذين استحثوا المسير وقاربوا النور، فيبدو الصليب أمامهم ضرورة حتمية، من أجلها بدأوا وعلى أساسها ساروا. أما بالنسبة للذين هلَّت عليهم نسمات القيامة من بعيد، واستمعوا لنشيد الخلاص الصادق من وراء أسوار الجسد، واستيقظت أرواحهم واستعدَّت للحدث العظيم الآتي؛ فيبدو الصليب أمامهم وكأنه هبة الله العظمى ورحمة السلام الحقيقي وباب الخلاص، الذي جعل العبور من الموت إلى الحياة ومن الظلمة إلى النور ومن سلطان الشيطان إلى ملكوت الله ومن وُثـُق الجسد العتيق إلى حرية أولاد الله في المجد؛ جعله أمراً ممكناً ومضمونـاً بعد أن كان شيئاً مستحيلاً! وهكذا: «إن كنا قد صرنا متَّحدين معه بشِبْه موته، نصير أيضاً بقيامته!!» (رو 5:6) ويلاحظ هنا في هذه الآية أن ”الاتحاد“ الأول في الموت جاء بفعل ماضٍ: ”صرنا“، أما ”اتحاد“ القيامة فيجيء كفعل المستقبل الدائم: ”نصير“!! وهذا معناه أن اتحادنا مع المسيح في موته أمر، واتحادنا معه في قيامته أمر آخر، لأنه في موته كنا حقًّا فيه، أي في جسم بشريته. فبشريته هي نحن، لأنه بتجسُّده أَخَذَ الذي لنا ومات بما لنا. أما في قيامته فلا يتأتَّى أن نتحد به تلقائياً، إذ يتحتَّم أن المسيح القائم من بين الأموات يدخل إلينا: «المسيح يحيا فيَّ» (غل 20:2) . فنحن ”كنا في المسيح“ لما مات، ولكن لكي نقوم معه ينبغي أن ”يكون هو فينا“، يأتي، ويدخل إلينا ويصنع منزلاً وإقامة!! ولكن لا يستطيع المسيح أن يعطي قيامته كفعل حياة جديدة إلاَّ في إنسان أكمل موته تماماً عن حياته العتيقة. هذا ما كان قد سبق وعلَّم به كثيراً. للأب متى المسكين
  • من الندامة إلى التوبة

    عندما تكون الندامة ليست ندامة حقيقيَّة، بل مجرَّد شكليَّات، فيكون أسوأ ما في الأمر، تبرير للذات. ونقول في أنفسنا: «في الواقع، ليس هذا أمراً شنيعاً جداً، فالجميع يفعلون ذلك». ونستند إلى كلِّ أنواع الظروف التي تخفِّف ثقل الذنب، ونُلبس خطايانا أجمل الثياب، ونُزيِّنها، ونخفي شكلها الحقيقي، وناتي بها أمام الرب وهي في هيئة هفوة صغيرة لطيفة وخفيفة الظل، تدعو إلى الشفقة. وفي الواقع، فإنَّنا نُعطي أنفسنا، بهذا التصرُّف، "الحلَّ" من الخطايا مُقدَّماً، ونشعر بأننا قد تبرَّرنا. وإنَّ رفضنا لتحمُّل مسؤوليَّة أخطائنا سببه أنَّنا لا نملك شيئاً بديلاً لوخز الضمير واليأس. الندامة لا تخشى النزول حتَّى عمق الخطيئة، حتَّى عمق الكيان. ففي الشعور الصادق بالذنب، أمسك خطيئتي بيدي وأنظر إليها وجهاً لوجه، وأعترف بها، وأقبلها، وأتحمَّل نتائجها، وفي الوقت نفسه أنكرها. فكرامة الإنسان الكبرى وعظمته تقومان على تحمُّله مسؤوليَّة عمله. منذ أيام، قال لي شخص في الاعتراف: «يا أبانا، ارتكبتُ هذه الخطيئة الشنيعة وفعلتها بملء إرادتي وحريَّتي وبانتباه تام، لا سهواً. وأنا أدين نفسي، وأندم عليها من كلِّ قلبي». وعند سماعي هذا الاعتراف، طأطأتُ رأسي، وقلتُ في نفسي: «هذا أمرٌ رائع…!» فالإدراك الكامل للخطأ، والندامة الصادقة عليه يجعلانكم تدخلون إلى أعماقكم وتصلون إلى النبع وتتجدَّدون. رفض الاعتراف بالذنب هو رفض السموِّ والنمو. فحين يصل الاعتراف بالذنب إلى عمق الذات، فإنَّه يسبِّب قفزة وارتفاعاً، كالكرة التي تسقط على الأرض، فهي حين تصل إلى الأرض وتصطدم بها تقفز إلى الأعلى. وكثيراً ما يعجز الإنسان عن القفز لأنه لا يريد أن يلمس أرضيَّة كيانه، ولأنَّه يرفض أن يسقط إلى عمق ذاته. ففي هذه الحالة، ليس هناك إعادة نظر ولا تجدُّد ولا سمو أنا أكثر قيمة من حياتي قال شاب حُكم عليه بالإعدام عند موته: «أنا أكثر قيمة من حياتي». وتعني هذه العبارة المذهلة أنَّ هذا الشاب، الذي ارتكب جميع أنواع الجرائم والآثام، لاحظ ساعة موته أنَّ هذا كلَّه لا يعبِّر عن حياته الحقيقيَّة، وعن "أناه" الحقيقي. فبالنسبة إلى العدالة الصرفة، هو مذنب. ولكنَّه في عمق كيانه كان يقول: «كلُّ هذا ليس أنا». مَن منَّا لم يشعر بعد ارتكابه خطيئة أنَّ ما فعله ليس جوهر ذاته؟ فالندم الحقيقي ليس في أن ننكر الشرَّ الذي اقترفناه، بل في أن نضع أنفسنا أعلى من الشر. وان نقول: «نعم، هذا صحيح، لقد خطئت، ولكنَّ هذه الخطيئة لا تعبِّر عن عمق حياتي، وانا أرفض أن أنسب ذاتي إليها، فأنا أكثر قيمة من خطيئتي. لقد أردتها وفي الوقت نفسه لم أردها». كيف أمكن للصِّ اليمين أن يمحو آثام حياة بكاملها بفعل واحد؟… لقد تمكَّن من هذا لأنَّه دخل عميقاً في ذاته بفعل الندامة الوحيد، واستطاع أن يجدِّد كلَّ حياته وأن يفتدي ماضيه. وأمام هذا الصفح الذي منحه المسيح مجَّاناً وفجأةً، قد نصرخ ونقول معارضين: «هذا ظلم»، فيجيب المسيح: «كلا، هذا عدل». لأنَّه وإن عجز الإنسان عن محو جميع أفعاله وجرائمه، فهو قادر على مستوى نيَّته العميقة وكيانه الجوهري أن يريد شيئاً آخر، وأن يختار مرَّة أخرى، وأن يُضفي على حياته بُعداً جديداً. هذه هي التوبة: أن يختار الإنسان مرَّة أخرى، ويريد لنفسه صورة جديدة. وهذا هو الرجاء. وبتعبير آخر، لا أنكر ماضيَّ حين أرفض تحمُّل تبعته، بل حين أقول: «أنا أكثر قيمة من حياتي، ولا أريد نفسي كما كنت عليها. لا أريد أن أكون كما كنت عليه». فالتوبة هي العودة إلى الـ"أنا" الأصليَّة، إلى شخصي في جذوره، والتوبة هي تجاوز الشريعة. الصفح المسيحي إنَّ صفح المسيح هو بالتحديد ذلك الفعل الذي يعيد صياغة الإنسان ويجدده في مركزه، وصفحنا هو أيضاً فعل يمكنه أن يخلق الآخر مرَّة أخرى، ويجدده في مركزه. إنَّه يقوم على أن نقول للآخر: «إنَّ ماضيك قد نُسي ومُسِح، وإنَّني أعطيك فرصة، وإنَّك تستطيع أن تبدأ حياتك مرَّة أخرى». فأعطي إمكانيَّة الفداء لهذا الشخص اليائس المذلول المحطَّم. يقول لنا الإنجيل: «لا تدينوا لئلا تُدانوا» (متَّى 7/1). نعم لا تدينوا ولا تحكموا على أحد، لأنَّكم لا تعلمون ما يختفي في داخل الإنسان. فما تعرفونه وتحكمون عليه هو الماضي. أمَّا المستقبل فلا تعرفونه، وهو مملوء بالوعود… وللوصول حقاً إلى هذا المستوى من الغفران، علينا أن نبدأ من أنفسنا، ونعترف بأنَّنا خطأة، وأن نقبل لأنفسنا أن يُصفَح عنَّا. في غالب الأحيان، لأنَّنا نرفض الإقرار بذنوبنا، نرفض أن نسامح الآخرين. فنحن نقول في الصلاة الربيَّة: «واغفر لنا ذنوبنا كما نحن نغفر للمذنبين إلينا» فبالإقرار بخطيئتنا نصبح قادرين على غفران خطايا الآخرين وعقد المصالحة نقلاً عن كتاب: " الإنسان وسرُّ الزمن " للاب هنرى بولاد اليسوعى
  • الجسد.. هل هو مصدر كل خطية؟!

    كثير من النسّاك يرون أن الجسد هو مصدر الخطايا جملةَ! ويرون أن كل الخطايا ترجع إلى ثلاثة: الجسد والعالم والشيطان! وأن الشيطان يستخدم الجسد بالذات! بل يبالغ البعض ويقولون إن الجسد هو خطية في ذاته!! ونحن نقول لهم: لو كان الجسد خطية في ذاته، ما كان الله قد خلق جسدًا على الإطلاق، وما كان قد أبدع في تكوين هذا الجسد... فلقد خلق الله أجسادًا للبشر والحيوانات والأسماك والطيور... ولكن أبدعها جميعًا في كثرة أجهزته وأدقها هو الجسد البشرى. فهل يُعقل أن يكون هذا الجسد مجرد وعاءٍ للخطيئة ؟! وهو أكمل جسد في الخليقة... يقولون إن جسد المرأة هو سبب سقوط الرجل!! ونقول لهم أن سبب سقوط الرجل هو شهوته. كما أنه قادر على ممارسة شهوته بدون المرأة، على الأقل بفساد قلبه وبتصورات ذهنه التي تسبح في مجال أوسع من نطاق الواقع! إن الخطيئة تبدأ في العقل والقلب أولًا. وبعد ذلك تبحث لها عن سبب خارجي عملي لكي تتعلق به. وهنا تبدو المرأة باعتبارها الشماعة التي يعلّق الرجل عليها أخطاءه!! لا ننسى أيضًا أن الروح لها أخطاؤها، والعقل أيضًا له أخطاؤه. وقد تكون أخطاء الروح والعقل أكثر. فلماذا التركيز إذن على الجسد وأخطائه ؟! ربما لأن غالبية أخطاء الجسد واضحة ومكشوفة، بينما أخطاء العقل -على الرغم من كثرتها وبشاعتها- غير مكشوفة،! لذلك فهي تختفي وراء الجسد، وتصدّره للمسئولية!! بينما -في الكثير من الحالات- العقل هو الذي يتسبب في خطايا الجسد.. هو الذي يفكر في الخطية وفي طريقها وفي توقيتها، ثم يدفع الجسد إلى ارتكابها... فعلى من تقع مسئولية الخطية إذن؟ على العقل أم على الجسد؟ على كليهما طبعًا. على العقل أولًا كمحرضٍ ومدبرّ. ثم على الجسد أخيرًا كمنفذ... إن غالبية ما يقال ضد الجسد، هو نتيجة المبالغة في إكرام الروح! ولكن لا يجوز في إكرام الروح، أننا نهبط بمستوى الجسد حتى أننا نسلبه كل حقوقه! فالجسد له ماله، وعليه ما عليه، وكذلك الروح. كما أن الأخطاء المنسوبة إلى الجسد، هي منسوبة فقط إلى غرائزه إذا أسُى استخدامها... وما أسهل استخدام كل هذه الغرائز في طريق الخير... كما لا يصح في الحكم على الجسد، أننا نركز على السلبيات فقط، بينما نتجاهل الايجابيات وهى ذات تفاصيل عديدة... والمعروف أن غالبية النساك الحقيقيين، ما كانوا في كل تداريبهم الروحية، يهدفون إلى تعذيب الجسد، بل إلى توجيهه روحيًا.. والى تهذيب غرائزه وليس قتلها... إننا بالجسد يمكننا أن نخدم الله، وأن نخدم الناس، ونفعل الخير * بالجسد نركع ونسجد، ونعبد الله، ونرفع أيدينا في الصلاة، ونحنى هاماتنا أمام الله. ونعبّر عن خشوع الروح بواسطة خشوع الجسد. وبالجسد نصوم، ونقدم أجسادنا ذبيحة لله. وبالجسد ندخل إلى أماكن العبادة، ونستمع فيها إلى كلمة الله ووصاياه على أفواه الواعظين... وكل مشاعر العبادة التي هي داخل القلب، نعبّر عنها بالجسد... * وبالجسد أيضًا نفعل الخير، ونخدم الناس. به نمشي ونذهب إلى أماكن المرضى ونزورهم. وبه نمد أيدينا ونعطي للمحتاجين والفقراء. وبه نعقد كل الاجتماعات التي تبحث كل ما يؤول إلى خير المجتمع. وبه نجلس مع الفقراء ونبحث مشاكلهم. وبه نربت بأيدينا على الأطفال، ونقدم لهم عطفًا وحنانًا. وكل عواطف القلب نؤيدها بواسطة الجسد. ومن اهتمام البشر بالجسد، كل ما يبذلونه من جهد في علاجه من مرضه والعمل على إراحته من تعبه، والعمل على العناية بصحته، وعلى تقديم ألوان من الأنشطة له في النوادي وغيرها. ومن اهتمام الله بالجسد، قيامة الجسد بعد موته، وحفظه سالمًا إلى الأبد، وتهيئة مكان له في الأبدية السعيدة... ولو كان الجسد مصدرًا لكل خطية، ما كان الله يقيمه في اليوم الأخير، ليحيا في الأبدية حياة لا خطية فيها... ومن اهتمامنا بالأجساد، احتفاظنا برفات الأبرار والقديسين كذكرى باقية بعد موتهم، وللتبرك بها أيضًا. وكذلك ما نقيمه لهذه الأجساد من تماثيل تعمر بها الميادين، وكلها تخليد ذكرى أصحابها، ولاحتفاظ التاريخ بها، فلا تُنسى.. وأيضًا ما يحتفظ به غالبية الناس من صور لأحبائهم، سواء منهم الأحياء أو الذين انتقلوا من هذا العالم. وكلها صور للأجساد وليس للأرواح..لكي بصورة الجسد يتذكرون حياتهم وسيرتهم. وكذلك الاحتفاظ بصور الشخصيات الشهيرة... أيضًا التحنيط.. أليس هو دليلًا آخر على الاهتمام بالأجساد، ولو لحفظها لرجوع الروح والاتحاد بها، حسب عقيدة قدماء المصريين. أما بدعة حرق الأجساد (التي لا نؤمن) فقد بدأت ببدعة أخرى هي (عودة التجسد) Reincarnation وبها يولد الإنسان مرة أخرى في جسد جديد، ويظل ينتقل في ولادات متتابعة، وفي تجسدات متعددة، إلى أن ينحل من الجسد بإتحاد روحه في الملأ الأعلى، بما يعرف عند الهنود بحالة النرفانا Nirvana. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). والذين يعتقدون بهذا الأمر لا يهمه الجسد الحالي في شيء، مادام بعد موته ستحل روحه في جسد آخر. ولذلك كانوا يحرقون أجسادهم، ثم يحتفظون بجزء من رمادها في قارورة صغير، كتذكار.. وقد رأيت هذا بنفسي في إحدى مدن الشرق الأوسط. زعيم الهند المهاتما غاندي الذي كانوا يقدسونه للغاية، حرقوا جسده أيضًا وألقوا رماده في النهر ليباركه. بقيت نقطة أخيرة يلزم أن أقولها في أهمية الجسد وهى:- أهمية الجسد في التناسل، وتتابع الأجيال. فلولاه ما بقى أحد من البشر من أبناء آدم وحواء!! البابا شنودة الثالث
  • حياة الإيمان

    النقطة الأولى: هي الفرق في الإدراك بين الإيمان والعقل والحواس. الإيمان هو مستوى أعلى من مستوى العقل والحواس. فالحواس تدرك الماديات فقط والمرئيات. أما الإيمان فيتسع نطاقه إلى الإيمان بما لا يُرى. فالله مثلًا هو فوق مستوى المرئيات والحواس. ولكنا ندرك وجوده بالإيمان، على الرغم من أننا لا نراه... وكذلك الملائكة: لا نراهم بعيوننا، ولكننا نؤمن بوجودهم. وبنفس الوضع نتكلم عن الأرواح. إننا لا نرى الروح، ولكننا بالإيمان نؤمن بوجودها. أيضًا العالم الآخر بكل أوصافه: لم يره أحد قط، ولكننا نؤمن بوجوده. كذلك نؤمنبالأبدية وبكل وعود الله الخاصة بها. وهنا يبدو الفارق بين رجال الإيمان، ورجال البحوث العلمية. أصحاب البحوث العلمية لا تدخل في نطاق عملهم كل تلك الأمور التي لا تُرى. وهم لا يكونون في حالة يقين من شيء، إلا إذا فحصوه تمامًا بكل أجهزتهم ومقاييسهم العلمية. وعلى نفس هذا المنهج كل أصحاب المذاهب المادية. الإيمان لا يتعارض مع الحواس. لكن نطاقه أوسع منها بكثير.. إنه قدرة أعلى من قدرة الحواس التي لها نطاق محدود لا تتعداه. فالحواس المادية تدرك الأشياء المادية فقط. وحتى قدرتها بالنسبة إلى الأشياء المادية هي قدرة محدودة أيضًا. وكثيرًا ما تستعين الحواس بالعديد من الأجهزة لمعرفة أشياء مادية أدق من أن تدركها حواسنا الضعيفة. فكم بالحري إذن الأمور غير المادية!! فالروح مثلًا لا تدركها الحواس المادية، سواء كانت روح بشر أو روح ملاك. وعدم إدراك الحواس لها، لا يعنى عدم وجودها. إنما يعنى أن قدرة الحواس محدودة، لا تصل إلى مستوى رؤية الروح. وكما أن الحواس البشرية محدودة في قدرتها، كذلك العقل البشرى محدود في معرفته. ولا يدرك سوى الأمور المحدودة... العقل قد يوصّل الإنسان إلى بداية الطريق في إدراك وجود الله وبعض صفاته. ولكن الإيمان يوصّل إلى نهاية الطريق.. الإيمان لا يتعارض مع العقل، لكنه يتجاوزه إلى مراحل أبعد بما لا يقاس لا يستطيع العقل، بمفرده أن يصل إليها... فمثلًا خلق الكائنات من العدم، مسألة يعرضها الإيمان. والباحث العلمي لا يستطيع أن يدركها. والعقل مع ذلك يتسلمها من الإيمان ويدركها. ذلك لأن العقل قد يقبل أشياء كثيرة حتى لو كان لم يدركها. وليس من طبيعة العقل أن يرفض كل ما لا يدركه. حتى في نطاق الأمور المادية في العالم الذي نعيش فيه: توجد مخترعات كثيرة لا يدركها إلا المتخصصون، ومع ذلك فالعقل العادي يقبلها ويتعامل معها، دون أن يدرك كيف تعمل وكيف تحدث؟! والموت يقبله العقل ويتحدث عنه. ومع ذلك فهو لا يدركه، ولا يعرف كيف يحدث!! فإن كان العقل يقبل أمورًا كثيرة في عالمنا وهو لا يدركها، فطبيعي أنه لا يوجد ما يمنعه من قبول أمور أخرى أعلى من مستوى هذا العالم... العقل مثلًا لا يدرك (المعجزة) وكيف تتم، ولكنه يقبلها ويطلبها، ويفرح بها... ولقد سُميت المعجزة معجزة، لأن العقل يعجز عن إدراكها وعن تفسيرها. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى).ولكنه يقبلها بالإيمان، إذ يؤمن بوجود قوة غير محدودة أعلى من مستواه، يمكنها أن تعمل ما يعجز هو عن إدراكها. وهذه القوة هي قدرة الله القادر على كل شيء. إننا نحترم العقل. ولكننا في نفس الوقت ندرك حدود النطاق الذي يعمل فيه. ولا نوافق العقل في طموحه حينما يريد أن يستوعب كل شيء، رافضًا ما هو فوق مستوى إدراكه! النقطة الثانية في موضوعنا، أنه يوجد. نوعان من الإيمان: إيمان نظري، وإيمان عملي: الإيمان النظري، هو إيمان فكرى فلسفي: مجرد الاقتناع العقلي بوجود الله، وبوجود الأمور التي لا تُرى، دون أن يكون لذلك أي تأثير على الحياة! وهو إيمان سهل. فما أسهل إثبات وجود الله بالأدلة العقلية والبراهين العديدة. أما الإيمان العملي، فتظهر علاماته في الحياة العملية. فما هي؟ * العلامة الأولى هي ارتباط الإيمان بالفضيلة ونقاوة القلب. فمثلًا: لاشك أنك لا تخطئ أمام إنسان بار تحترمه. وقد تكون في حضرته في منتهى الحرص، تستحي أن ترتكب شيئًا مشينًا أمامه. إذ لا تحب أن يأخذ عنك فكرة سيئة أو أن تسقط من نظره. بل قد تحترس أيضًا أمام أحد مرؤوسيك أو خدمك، لئلا يحتقرك في داخله أو يقل احترامه لك. لذلك فغالبية الخطايا تُعمل في الخفاء. أما بسببالخوف أو الاستحياء... فإن كنت تخجل أو تخاف من إنسان يراك، فكم بالأولى الله؟! إذن إن آمنت تمامًا بأن الله موجود في كل مكان أنت فيه، يراك ويسمعك ويرقبك، فلاشك سوف تخجل أو تخاف من أن ترتكب أي خطأ أمام الله. فهل عندك هذا الشعور؟ هل يكون أمامك في كل خطية تُحارب بارتكابها؟ لو عرفت هذا ستخجل وتخاف، وتمتنع عن الخطية. لأن خوف الله سيكون أمام عينيك باستمرار في كل مرة تحاول أن تخطئ. بل إنك تشعر بالاستحياء من أرواح الملائكة والقديسين: هؤلاء الذين لا يحتملون منظرك في الخطيئة. بل إنك قد تخجل أيضًا من أرواح أصدقائك ومعارفك الذين انتقلوا من هذا العالم، وكانوا يأخذون فكرة طيبة عنك... وإن كنت تؤمن أن الله فاحص القلوب وقارئ الأفكار. فلاشك إنك سوف تستحي من كل فكر ردى يمرّ بذهنك، ومن كل شهوة رديئة تكون في قلبك. لذلك كله، فالذي يؤمن بأهمية علاقته بالله، يخشى ارتكاب الخطية، لأنها تفصل عن الحياة مع الله. * النقطة الثانية: أن حياة الإيمان ترتبط بسلام القلب وعدم الخوف: من صفات المؤمن أن قلبه يكون باستمرار مملوءًا بالسلام والهدوء، لا يضطرب مطلقًا، ولا يقلق ولا يخاف. لأنه يؤمن بحماية الله له. وهو يحتفظ بسلامه الداخلي، مهما كانت الظروف المحيطة تبدو مزعجة. إنما يخاف الشخص الذي يشعر أنه واقف وحده. أما الذي يؤمن أن الله فلا يخاف. إن المؤمن لا يستمد سلامه الداخلي من تحسن الظروف الخارجية من حوله، إنما يستمد السلام من عمل الله فيه ومعه. في وسط الضيقة أيًا كانت، ترى الإيمان يعطى سلامًا. ضيقة يتعرض لها اثنان: أحدهما مؤمن والآخر غير مؤمن. فيضطرب غير المؤمن ويخاف ويقلق، ويتصور أسوأ النتائج، وتزعجه الأفكار أما المؤمن فيلاقيها بكل اطمئنان وبسلام قلبي عجيب، واثقًا أن الله سيتدخل ويحلها، وأنها ستؤول إلى الخير، ويقول في ثقة إن الله المهتم بالكل سوف يهتم بي... حقًا إني لا اعرف كيف ستحلالمشكلة، لكنى أعرف الله الذي سيحلها... النقطة الثالثة أن الإيمان يمنح صاحبه قوة إن المؤمن إنسان قوى، يؤمن بقوة الله العاملة فيه. فشعورنا بوجود الله معنا، يمنحنا قوة إلهية ترافقنا وتحفظنا. إن الإيمان -أيًا كان نوعه- هو قوة. يكفى أن يؤمن الإنسان بفكرة، فتراه يعمل بقوة لكي ينفذها. فالإيمان يمنحه عزيمة وإرادة وجرأة ما كانت له من قبل... هكذا كان المصلحون في كل زمان ومكان. آمنوا بفكرة، فجاهدوا بكل قوة لتنفيذها. وبسبب إيمانهم، احتملوا الكثير من الضيق حتى أكملوا عملهم. المهاتما غاندي مثلًا، آمن بحق الإنسان في الحرية، وآمن بسياسة عدم العنف. فمنحه هذا الإيمان قوة عجيبة استطاع بها أن يحرر الهند، وأن يعطى للمنبوذين حقوقًا في مساواة مع مواطنيهم... الإيمان أيضًا بنظرية علمية يكون مصدر قوة في نطاقها: مثال ذلك روّاد الفضاء، في إيمانهم بما قيل لهم عن منطقة انعدام الوزن. وكيف أن الإنسان يمكن فيهم أن يمشى في الجو دون أن يسقط! مَن مِن الناس يمكنه أن يجرؤ أن يمشى في الجو دون أن يخاف؟! أما الذي جعل الروّاد ينفذون ذلك، فهو إيمانهم الأكيد بصحة بحوث العلماء الذين أعلنوا هذا. فالإيمان بهذا منحهم قوة وشجاعة. فكم بالأكثر الإيمان بالله... إن الإيمان ليس هو مجرد عقيدة، بل هو عقيدة وحياة. بقى الحديث عن بساطة الإيمان، وما يقوّى الإيمان وما يضعفه، وأيضًا الشكوك التي تحارب الإيمان. وكل هذه وغيرها، مما لا يتسع له هذا المقال لهذا نكتفي الآن بما ذكرناه. البابا شنودة الثالث
  • الهاربون من الله!

    عشرات ومئات الملايين يؤمنون باللَّه، ويُصلُّون ويصومون. ولكن كثيرين من هؤلاء المؤمنين يهربون من اللَّه! أي يهربون من الحياة معه، ومن محبته، ومن الحياة الروحية التي يدعوهم إليها، أو من بعض المهام التي يدعوهم إليها... فلماذا يهرب كل هؤلاء؟ وكيف يهربون؟ وهل يستمرون في هروبهم أم يرجعون؟ هناك أشخاص يهربون من اللَّه بسبب شهواتهم. يشعرون أن حياتهم مع اللَّه ستحرمهم من شهوات لا يريدون تركها. مثال ذلك الوجوديون الملحدون، الذين يرون أنَّ وصايا اللَّه تمنعهم من تحقيق شهواتهم وتحقيق وجودهم فيها. فيكون شعور الواحد منهم هو "من الخير أنَّ اللَّه لا يوجد، لكي أُوجد أنا"!! أو مثل شخص يقول: "إن سرت مع اللَّه سأنقسم على ذاتي، وسأدخل في صراع بين الروح والجسد، وصراع بين الخير والشر، وأنا لا أُريد أن أدخل في صراعات! فمن الخير لي إذن أن أبعد عن طريق اللَّه هذا وعن وصاياه!". هؤلاء شهواتهم تتعبهم وليس وصايا اللَّه، ولكنهم لا يريدون أن يواجهوا هذا الواقع لأنهم يخافونه. هم مثل إنسان مريض بمرض خطير، يهرب من الأطباء، ومن الكشف والأشعة والتحاليل، لكي يستريح ولو راحة وهمية، هاربًا من الواقع لأنَّ الواقع يتعبه. هناك أشخاص يرون أن البعيدين عن اللَّه مستريحون، ويستطيعون أن يقضوا مصالحهم بأنواع وطُرق شتَّى: بكذبة بسيطة تتغطى كل غلطة، بشهادة مرَضيَّة مزوَّرة يُبرِّرون كل غياب، بالرشوة والمحسوبية يُقضى كل عمل، بالتساهل في الأخلاقيات يمكن كسب عديد من الأصدقاء، بعبارتين من عبارات التَّملُّق يمكن كسب الرؤساء وخداعهم، وبشيء من الرياء الخفيف يمكن الحصول على احترام الناس ومديحهم، وبضربة قاسية ومؤامرة خفيَّة يُمكن التَّخلُّص من جميع المقاومين... أمَّا طريق الرب فهو صعب وكله قيود وموانع! فلماذا السير فيه؟! لذلك يرى هؤلاء أن الهروب من اللَّه أفضل! أو أن البعض يرى أن طريق اللَّه لا يُناسب العصر! لا يناسب ما وصلت إليه المدنية والأفكار الحديثة وطبيعة المجتمع. ويقولون إنَّ الذين يسيرون مع اللَّه هم (دقَّة قديمة) لم يتحضروا بعد. فالبُعد عنهم وعن طريق اللَّه أفضل لكي يحتفظ الإنسان بسُمعته كشخص راقٍ متمدن... كما يرون أيضًا أن المجتمع الحديث يسخر من هؤلاء المتحفِّظين، وهكذا يهرب هؤلاء من اللَّه. البعض يهرب من اللَّه بسبب مُسمَّيات روحية تتعبه: فالحياة الروحية فيها محاسبة النفس، وفيها حياة التوبة، وفيه النمو الروحي. وكل هذه أمور متعبة في نظر هؤلاء. يقول الشخص منهم: ما معنى أن أجلس وأُحاسب نفسي وأكتشف أن لي ضعفات وسقطات، وأدخل في مذلة الندم والشعور بالإثم Sense of guilt، وأيضًا في تعبالضمير وتبكيته! مالي وكل هذا. الهروب منه أفضل لكي أعيش مستريحًا. مثل هذا، هو كشخص عنده دمِّل أو خُراج، لا يريد أن يفتحه ويُنظِّف ما فيه. بل يظن أنه يتركه هكذا ويستريح..! كما أنَّ التوبة بالنسبة إليهم هي ترك حياة جميلة في أعينهم فما الدَّاعي للسَيْرِ في التوبة وخسارة حياة المتعة الخاطئة. فالهروب من كل ذلك أفضل. وبالتالي الهروب من اللَّه الذي يدعو إلى التوبة وتغيير الحياة. أمثال هؤلاء يعيشون في حالة تخدير دائم من الناحية الروحية. أو في حالة لا وعي بالنسبة إلى ضمائرهم. وهم يهربون من واقعهم ويهربون من اللَّه. وهناك مَن يهرب من اللَّه، لأنَّ لديه شيئًا يحرص عليه، ويخاف عليه من اللَّه: هناك مَن يحرص على ما لديه من مال، أو مظاهر من العظمة، أو قسوة تخضع الناس له، أو إدارة أعمال للهو، أو شهرة في الملاهي، أو أساليب خاطئة توصله إلى ما يريد... فإن سار في طريق اللَّه يحرمه من كل ذلك. فالوضع الأمثل أن يهرب من اللَّه. والبعض يهرب من اللَّه بسبب اليأس، إذ يرى أن السَّيْر في طريق اللَّه طويل لا يعرف مداه. فاللَّه لا يريدنا فقط في حياة التوبة، إنما يطالبنا بالنمو الروحي حتى نصل إلى حياة القداسة أو الكمال الممكن. فمَن يستطيع كل هذا؟! ومَن يستطيع في كل فضيلة أن يتطوَّر فيها حتى يصل إلى قمَّتِها؟! إذن الهروب من اللَّه أفضل. وهناك أسباب أخرى كثيرة للهروب من اللَّه. على أن الذين يهربون منه، يهربون أيضًا من كل ما يتعلَّق باللَّه. يهربون من دور العبادة، ومن قراءة كلام اللَّه ووصاياه، ومن التأمل في حياة الفضيلة، ومن الاجتماعات الروحية، ومن كل مَن يُبكِّتهم بسبب طريقهم الخاطئ، ومن كل مَن يدعوهم إلى تغيير نمط حياتهم. ونحن نقول لكل هؤلاء: مهما هربتم من اللَّه، فهو سيسعى إليكم ليجذبكم إليه. وقد صدق داود النبي حينما قال للَّه في المزمور: "أين أهرب من روحك، ومن وجهك أين أختفي؟!". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). كما نقول لهم إنَّ هذا الهرب ليس من صالحكم. ويجب أن تواجهوا الواقع في شجاعة وصدق. وأوَّل واقع تواجهه هو أبديتك، أي مصيرك الأبدي. فإلى أي مصير سيقودك الواقع الذي تعيش فيه؟ إذن عليك أن تواجه نفسك. وأنت لا تستطيع أن تخدر ضميرك إلى الأبد. فلابد أن يصحو في يوم ما. وحينئذ ماذا تفعل؟ مشكلة كبيرة تواجه الناس، وهى: كيف سيترك الشخص خطيئته مع أنه يحبها؟! كأن الذي يترك الخطيَّة سيظل بنفس القلب الذي يشتهيه! كلا، فإنَّ اللَّه حينما يُرجِع التائب إليه يمنحه قلبًا جديدًا يختلف عن القلب الذي كان يشتهي الخطيئة. كما أنه يمنحه نعمة خاصة تقوده في الطريق الجديد. فلا تعطِ فرصة للشيطان الذي يحاول أن يظهر لك صعوبة الطريق إلى اللَّه ويُقنعك بالهروب منه. البابا شنودة الثالث
  • المسيحية والعنف

    لا شك أنّ ظاهرة العنف التي تجتاح العالم في هذه الأيام، ظاهرة تدعو إلى التأمل والقلق. فلقد أصبح الإنسان يقتل أخاه الإنسان بشكل لم يحدث من قبل حتى في أقدم العصور تخلفاً. فالقتل اليوم ليس لأجل قضية ولا يُوجَّه ضد أعداء، بل القتل يتم لشهوة القتل، ويُوجَّه ضد أناس لا علاقة لهم بقضايا، كراكبي طائرة أو سفينة أو مشاة في شارع أو مرتادين في مقهى. وقد يُوجَّه ضد إنسان ينتمي إلى فكر معين أو جنس آخر أو وطن معادٍ، دون أن تكون له مواقف تستدعي القتل علماً أنّ كلَّ هذه المبررات قد وُضعت خطأً لتبرير القتل الذي حرّمه الله. فهو يقتل لمجرد الإنتماء، وهذا ما يسمى بالقتل حسب الهوية. وموقف المسيحية من العنف أُخذ عليها لا لها. فلقد ظنَّ الكثيرون أنَّ التسامح الذي تبديه المسيحية في تعاليمها هو ضعف، لا يصلح في مقاومة العنف الذي يكتوي العالم بناره اليوم، وإن كان البعض يطلقون على هذا الضعف تسامياً - تأدباً منهم - بقولهم إنَّ سمو تعاليم المسيحية لا تصلح في مجتمعات اليوم. لكن المتأمل جيداً في كلمات المسيح التي يتعرَّض فيها لظاهرة العنف، لا يجد فيها أي مسحة من الضعف، بل يكتشف فيها قوة غير عادية لنزع بذور الانتقام من داخل الإنسان، ومعالجة العنف بصورة مثلى. ودعونا نقرأ ما قاله المسيح: "سمعتم أنَّه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً. ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين. من سألك فأعطه. ومن أراد أن يقترض منك فلا تردَّه. سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" ﴿متى ٥: ٣٨-٤٤﴾. المسيح هنا يقول إنَّ التجاء شخص ما إلى العنف لتوفير احتياجاته أو فرض آرائه ليس من الإنسانية في شيء. ولا يلجأ إنسان إلى العنف إلا تحت ضغوط اجتماعية ونفسية واقتصادية رهيبة. فبدلاً من أن تدين الضارب وتضربه أي تعاقبه، وبهذا تنتهي المشكلة ظاهرياً، سواء بردعه أو بمنعه عن الضرب غصباً، فمن الأصوب أن تعالج ظاهرة العنف ذاتها، وذلك بأن تمتص الضربة الأولى. فالذي يلجأ للضرب أو الاغتصاب أو تسخير الآخرين، يحتاج إلى عطف لأنه يتصرَّف بدون عقل، ويحتاج إلى من يمتص غضبه ثم يعالجه بعد ذلك. إنَّ امتصاص الضربة الأولى ينزع بذور الانتقام من دواخلنا، ويدعونا للتفكير في احتياجات من يلجأ إلى العنف، سواء احتياجه للثقافة أو للعمل أو للمال. ولذلك يقول المسيح: "من سألك فأعطه". ولم يوضح ماذا سأل وما الذي تعطيه له. إنَّ المسيح يقول ﴿أعطه﴾ ما ترى أنه في حاجة إليه، ربما احتياجه لا إلى ثوب بل إلى إحساس بالأمان...لا إلى عزلةٍ، بل إلى حب وانفتاح وعطاء ذات. إنَّ مقابلة العنف بالعنف لن يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيداً. والمسيح يقول بدلاً من أن ترد بالضرب وتعفي نفسك من المسؤولية، فكر في احتياجات من يلجأ للعنف. إنَّ الذي يريد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، اترك له الرداء أيضاً، لأنَّ دفاعك عن الثوب هو دفاع عن فكر خاطئ أو موقف خاطئ للمجتمع ولك تجاه هذا الشخص. وهذا الموقف الخاطئ هو الذي دفع هذا الإنسان لأن يعتدي عليك ويأخذ ثوبك. لذلك عليك أن تعطيه الثوب والرداء ليهدأ، ويكون هذا اعترافاً منك بخطأ موقفك كشخص وشريك لخطأ مجتمع. ثم عليك أن تهدأ وتقيم حواراً مع نفسك للإجابة على عدة أسئلة هامة جداً: لماذا خاصمني؟! لماذا أراد ثوبي؟ لماذا لجأ للعنف لتحقيق هذا؟! والسؤال الملح الآن، هو كيف يصل الإنسان إلى هذا المستوى من النضج؟! والمسيح لم يترك هذا السؤال معلقاً بلا إجابة، بل قدم إجابته بحسم وموضوعية، فقال، لكي يصل الإنسان المؤمن إلى هذا المستوى الرفيع من الفكر والروحانية، عليه أن يثق بذاته وبسلطان المسيح فيه. "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك... لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين" ﴿متى ٥ :٣٨-٤٥﴾. إنَّ عدم مقاومة الشر وامتصاص نوبة العنف، لا يقدم عليها إلا إنسان واثق بذاته والقوة التي تعمل فيه. فهو ابن لأب يشرق على الجميع مهما كان موقفهم منه، ويمطر على الكل دون تمييز. والثقة بالذات ترفع المؤمن فوق القانون الطبيعي. والسمو فوق القانون يأتي نتيجة الثقة بالعدل والإحساس بالسلطان. فلكي نحقق الهدف من هذه الوصايا علينا أن نضيق الفارق بين ما نفكر فيه وما نمارسه. إنَّ الفكر هو :لا تقاوموا الشر، والممارسة هي: كيف نحقق هذا رغم الاحتكاك البدني والعنف المادي والنفسي؟! ما ذكره يسوع من إدارة الخد وترك الرداء هي مجرّد أمثلة، وعلينا نحن في عصرنا الحديث، أن نترجم "لا تقاوموا الشر" الترجمة المناسبة، في مواجهة الشرور العصرية، كالضغط النفسي وضغط الإعلام والحرمان من وظيفة أو ترقية...الخ وليس الغرض فقط أن نرتفع نحن كبشر ونسمو بعدم مقاومة الشر، بل أن نقضي على الشر بصورة إيجابية واضحة، ويتم ذلك بعدم المقاومة. فالهدف هو محاربة الشر والقضاء عليه بصورة يومية ومتكررة. إنَّ الطريق العادي الذي يسلكه الإنسان عندما يُعتدى عليه هو الانتقام. فاللطم يقابله تلقائياً لطمة مضادة.. وهكذا. لكن المسيح هنا يقول: لا تسير في الطريق العادي الذي يسير فيه كل البشر. فإن كنت تريد أن تطهر ذاتك من الانتقام خذ الطريق المضاد. لا تقاوم.. حوِّل الآخر.. اذهب معه اثنين... أعط ولا ترد أحداً.. إنه تدريب روحي ونفسي لتغيير شخصيتنا والسمو بها. إنَّ المسيح يدرِّب أتباعه هنا لتكون لهم نظرة جديدة للحياة، ولكي تتطوَّر شخصياتهم، ويقتلعوا جذور الانتقام من قلوبهم، الذي هو في الأصل اتجاه غريزي حيواني. هل لنا طموح للوصول للكمال؟ إذاً لنتدرب على كيف نحب أعداءنا، وكيف نحقق الهدف من وجودنا في وسط المجتمع الذي نعيش فيه، وكيف نصلح أنفسنا والآخرين دون اهتزاز للثقة بالنفس، ودون إحساس بالضعف. فنحن نقوم بهذا من موقع قوة وسلطان، وفهم وإدراك، ومشاعر وأحاسيس. من موقع المسامحة والصفح والغفران والمحبة كما علَّمنا المسيح. أيها القارئ الكريم، إننا ندرك تماماً أنك تشاطرنا هذا الرأي. Call of Hope
  • المواد الإباحية ”البورنوجرافي“

    بقلم د /ماهر صموئيل عزيزي القارئ.. هذا المقال يهمك إذا كنت: شاب أو شابة، أعزب أو متزوج، زوج أو زوجة، مراهق أو أب لمراهق، مراهقة أو أم لمراهقة، خادم في مجال الشباب أو في مجال الأسرة. هذا لأن الكل اليوم، أضحى يعاني بشدة من تلك الهجمة الشيطانية الشرسة. هجمة تبغي الإطاحة بنقاوتنا وقداستنا، وتدنيس ضمائرنا وعقولنا، وهدم أطفالنا وأسرنا، بل وإيقاعنا تحت دينونة الله العادلة. وعلى الرغم من أن الإحصائيات تؤكد على أن كل الأعمار تعاني من هذا الطوفان الدنس، إلا أن الخطر الأكبر، والمعاناة الأعظم، هي من نصيب شبابنا صغار السن من الجنسين. وهذا يرجع ليس فقط لكون هذا الوبإ يقتنصهم مبكِّرًا ليقطف زهرة أعمارهم ويدهسها. لكن بالأكثر لكونهم معرَّضين له أكثر من غيرهم. فالحياة المعاصرة جعلتهم أكثر منا استعمالاً للتكنولوجيا بصفة عامة، وبالتالي صاروا معرَّضين أكثر من غيرهم لما أسميه بالوسائط الإباحية ، والتي من خلالها يصل إليهم الشيطان بمختلف أشكال المواد الإباحية ، أو ما يسمى بالإنجليزية: "البورنوجرافي ". فالأمر لم يعُد - كما كان في الماضي القريب - صعب المنال، حيث كان تجارة خطرة يقوم بها بعض المهربين المحترفين لتهريب بعض المجلات أو بعض الأفلام. لقد صار الآن بضغطة واحدة على فأرة الكومبيوتر يرى الشاب ما يشاء، بل ويطبع، ما يشاء! هذا بالإضافة إلى المرئي والمسموع المتوفر في كل وقت دون أن يكلِّفه سوى ضغطة زر واحدة فقط لا غير! فمئات القنوات الفضائية تكرست لهذا الغرض! وإذا أفلت شبابنا من الفضائيات فكيف ينجون من الإنترنت، وقد أصبح لا مفر من التواجد على شطئانها بل والإبحار في غمارها؟ هذه الشبكة العنكبوتية المخيفة، والتي لا تكف عن إغراء مستخدميها بالدخول على المواقع الإباحية التي تحتويها، من خلال مباغتتهم بصور رديئة رغما عن إرادتهم. وإذا استحال الدخول على هذه المواقع في البيت، يدفع إبليس الشباب إلى ”السيبركافيه“. وإذا ذهبوا إلى المدرسة أو الجامعة، فهناك تلاحقهم أحاديث الطلبة السفهاء عن الجديد والغريب في هذا المجال. أضف إلى هذا كله، طبيعة مرحلة المراهقة التي فيها يتعمق حب الاستطلاع، والتي تندفع نحو الاستقلال والتمرد، وتجنح لمعرفة كل ما هو جديد وغريب. وعلينا أن ندرك أنه مهما كانت مقاومة شبابنا لتلك الهجمة الشيطانية كبيرة وقوية، فإن شراسة الهجمة أقوى من الإمكانيات الروحية والأخلاقية لكثيرين منهم. لذلك سقط الكثيرون منهم، دون علم آبائهم وأمهاتهم، كضحايا لها. وهذا، من جانب، يحتِّم علينا كأباء، وكمسؤولين عن خدمتهم، أن نستفيق من نومنا، وأن ننتفض لمواجهة هذا الخطر الذي يدهمهم، وأن لا يكون موقفنا هو مجرد الاشمئزاز أو الاستذناب والإدانة لهم. بل علينا، بالإضافة إلى الصلاة والصوم من أجلهم، أن نتخذ كل الإجراءات والاحتياطات لحماية أنفسنا وحمايتهم، بل وعلينا أن نتسلح بكل الوسائل والمواد الروحية والعلمية والتربوية، لمساعدتهم على الهروب من هذا الخطر. مع تأكيدي الشديد على أن هذا الخطر لن يقل، بل سيزداد بجنون في الأيام القادمة. ومن الجانب الآخر، على الشباب أنفسهم أن يدركوا خطورة الموقف، فلا يلعبوا بالنار مستهترين بنتائجها، بل أن يصرخوا طالبين العون من الرب أولاً، ومن الأهل والمسؤولين في الكنيسة ثانيًا. وحتمًا سيرتِّب الرب لهم من يساعدهم. لكنني أحذرهم بشدة من أن يستسلموا، أو ينكروا؛ لأنهم هكذا يحكمون بالدمار على أنفسهم. ولا أخفي على قارئي العزيز، أنه لم يكن من السهل عليَّ البحث والخوض في غمار هذا الموضوع للكتابة عنه. لكنني تحملت عناء الكتابة فيه بسبب ما رأيته من دموع صادقة تسكبها نفوس محطمة، بل وما شاهدته من بيوت اهتزت دعائمها بشدة بسبب هذا الوباء المنتشر. ولو كان الأمر توقف عند حدود غير المؤمنين لكنت اكتفيت بتوجيه رسالة الخلاص لهم، فالمخلِّص قادر على تحريرهم من عبودية الخطية بصفة عامة، ومن هذه الخطية بصفة خاصة. لكن الواقع يقول أن الوبأ، للأسف الشديد، قد أصاب أولاد الله الحقيقيين! فعطَّل خدمة من عطَّل، وحطَّم نفسية من حطَّم، وأصاب العلاقات العائلية في مقتل. ومن هنا، كان من المحتِّم علينا المصارحة والتصدّي. وإني أصلي أن يكون هذا المقال قطرة من غيث لمساعدة الشباب والأهل والمسؤولين، في مواجهة هذا الخطر. أصلي أن يثقل الرب على كثيرين من الكتاب والمسؤولين المسيحيين الناطقين بالعربية لكي يجروا الدراسات على أفراد كنائسنا، لاكتشاف حجم انتشار الوبإ، وأن يتكاتف الجميع لابتكار وسائل الوقاية والعلاج. ولتكن مساهمتي المتواضعة من خلال نقاط ثلاثة: التبصير: سأحاول أن أوضِّح حجم هذا الخطر، وطبيعة الأخطار المحدقة بمن يسقط فيه. التشخيص: سأحاول أن أساعد الأهل على الاكتشاف المبكِّر إن كان أحد أفراد الأسرة، كبيرًا كان أم صغيرًا، ذكرًا أم أنثى، قد سقط في هذا الفخ. العلاج: وفيه أقدِّم بعض النصائح التي تساعد على الإفلات من هذا الفخ والهروب منه. أولا: التبصير حجم الخطر لكي نعلم شيئًا عن حجم الخطر لا بد أن نعرف مدى انتشار الوبإ، والذي سيدلّنا أيضًا على حجم مجهود العدو في تلك الهجمة، والذي إذا قارناه بحجم مجهودنا نحن في مواجهته؛ حتمًا سوف نخجل. لذلك تأمّل معي عزيزي القارئ الإحصائية التالية : في كل ثانية ينفق العالم 3075.64 دولار على إنتاج وتوزيع المواد الإباحية! أي حوالي 97 مليار دولار في السنة!! في كل ثانية يوجد في العالم 28258 شخص يرون شيئًا إباحيًا، وهذا العدد الرهيب هم فقط الذين يرون على شبكة الإنترنت وليس من خلال وسائط أخرى كالفضائيات وال DVDs وغيرها! في كل 39 دقيقة ينتج العالم فيلمًا إباحيًا جديدًا! توجد على شبكة الإنترنت 420 مليون صفحة إباحية! في نهاية كل يوم تكون محصّلة عمليات البحث عن المواد الإباحية هي 68 مليون عملية وهي تمثل 25% من كل عمليات البحث التي تجري على الشبكة! في كل يوم يرسل الناس بعضهم لبعض 2500 مليون رسالة إلكترونية تحتوي على مادة إباحية! 35% من مجمل ما يتم تنزيله من على شبكة الإنترنت يوميًا هو لمواد إباحية! كل يوم تجري 116000 عملية بحث عن مواقع تقدم مواد إباحية لمدمني ممارسة الجنس مع الأطفال الصغار!! يوجد على الشبكة مائة ألف موقع محرَّم قانونًا يقدِّم صورًا وأفلامًا تشبع نهم تلك الوحوش التي تبغي ممارسة الجنس مع الأطفال!! عدد زوار المواقع الإباحية كل شهر هو 72 مليون شخص!! 42.7% من مستخدمي الشبكة يزورون المواقع الإباحية! أما أشد ما يؤلم، فهو هذا الخبر الصادر من مؤسسة جوجل، أن المصريين هم أكثر شعوب العالم كتابة لكلمة ”SEX“ على مؤشر بحث جوجل. وثالث شعب على مستوى العالم يكتبها على الشبكة بصفة عامة!! هذه الإحصائيات المرعبة تُقلق بشدة الدول المتقدمة، فهم إذ يدركون هول النتائج النفسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستلحق بشعوبهم من وراء إدمان المواد الإباحية، يجتهدون بشدة في البحث عن حلول. وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك دراسة أُجريت على مواطني الولايات المتحدة الأمريكية كشفت عن أن 10% من البالغين من الجنسين قد وصلوا إلى مرحلة الإدمان للبورنو بنسبة 72% رجال و28% نساء. ولهذا لجأت الحكومة لتكوين مجلسًا وطنيًا من مستشارين وعلماء لمكافحة إدمان البورنو اسمه: National Council on ×Sexual Addiction and Compulsivity. وقد أعلنت الواشنطن تيمز مؤخَّرًا أن هذا المجلس أقرّ بأن عدد الأمريكيين الذين يحتاجون إلى علاج عاجل يصل إلى 2مليون شخص!! واليوم، وأنا أستعرض هذه الإحصائيات وما على شاكلتها، وأرى هلع العالم من أثار هذا الوبإ، أتذكَّر، بابتسامة ساخرة، لكن بقلب حزين مكسور، مقولة أحد الرجال الأشرار ألا وهو Hugh Hefner، صاحب مجلة البلاي بوى الشهيرة، الذي قال منذ حوالي خمسين سنة عندما أصدر مجلته الرديئة: ”إن غايتي من وراء إصدار هذه المجلة هو تحرير مجتمعنا من تابوهات الجنس التي تسوده في أيامنا هذه“!! أليس هذا هو نفس صوت الحية القديمة، التي تقترب من الإنسان البائس وفي يديها خيوط ناعمة لامعة، تنسج منها حبلاً غليظا قويًا، وعلى وجهها ابتسامة صفراء ماكرة، تقترب منه وهي تغني له بصوت عذب أجمل أغاني الحرية، لتقنعه بأن هذا الحبل الغليظ المتين ليس هو سوى حبل إنقاذه وتحريره من كآبة الملل واللامعنى! فيسلمها البائس يديه، ليكتشف بعد فوات الآوان أن الحبل ليس حبل إنقاذ بل هو أقسى قيد للعبودية، وأنه ليس حبل خروج من حفرة الملل بل هو حبل إسقاط في هوة الضياع والهلاك الأبدي، والتي يهوي إليها البائس على موسيقى ضحكاتها وقهقهاتها المجلجلة ابتهاجًا بساذج جاهل جديد قد نجحت في أسرِه. وعندما أذكر كلمات هذا الرجل الشرير، أجد كلمات الرسول بطرس ترن في آذاني وهو يقول: «يَخْدَعُونَ بِشَهَوَاتِ الْجَسَدِ فِي الدَّعَارَةِ، مَنْ هَرَبَ قَلِيلاً مِنَ الَّذِينَ يَسِيرُونَ فِي الضَّلاَلِ، وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ. لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ، فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا» (2بط2: 18، 19). طبيعة الأخطار يمكنني حصر الأخطار الرئيسة في اتجاهات ثلاث: أخطار روحية أخلاقية أخطار نفسية اجتماعية أخطار جسدية مادية 1- الأخطار الروحية الأخلاقية هل البورنو عمل لا أخلاقي، وخطية توقعنا تحت دينونة الله؟ ربما تتعجب، عزيزي القارئ، من هذا السؤال وتقول: وهل هناك من يقول غير هذا؟ أقول: مع الأسف الشديد قد سمعت هذا السؤال من أكثر من شخص! وكل منهم يسوق حججًا هزيلة سخيفة، لدرجة أن البعض منهم اعتبره علاجًا!! ولا عجب؛ فالطبيعة الفاسدة اعتادت على مثل هذا الأسلوب الملتوي في تبرير الخطإ بمختلف الوسائل والسبل. ولكي نغلق الباب أمام مثل هذه المحاولة الباطلة، وكذلك لكي يتسلح ذهن وضمير المؤمن الحقيقي ضدها، أقول هي شرٌ، وسأكتفي بعشرة أسباب فقط: إنها زنى طبقا لقول الرب في متى5: 28 «إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه». وهل من المعقول أن يشاهد شخص هذه المواد دون أن يشتهي؟! إنها بحث عن الإستثارة الجنسية واللذة اللاحقة لها بطريق غير طبيعي، وهكذ يصبح الشخص من هؤلاء المكتوب عنهم محبين للذَّات دون محبة لله (2تي3: 4). إنها مشاركة صريحة وواضحة فيما نهى عنه الكتاب في أفسس5: 3 «أما الزنا وكل نجاسة أو طمع فلا يسمَّ بينكم كما يليق بقديسين ولا القباحة ولا كلام السفاهة والهزل التي لا تليق». مع ملاحظة أن كلمة الزنا هي باليونانية ”بورنيا“ والتي منها جاءت كلمة ”بورنو“. كما أن القباحة تشير هنا إلى الكلام الجنسي. والرسول في هذه العبارات يتقدم في النهي إلى ما هو أبعد من مجرد النهي عن الفعل، لأن هذا كان قد فعله في 4: 17-20، لكنه هنا ينهى عن مجرد ذكرها أو تسميتها؛ فما بالك بمشاهدتها؟ هذا الفعل الشائن يتعارض تماما مع قول الرسول في كولوسي3: 17 «وكل ما عملتم بقول أو فعل، فاعملوا الكل باسم الرب يسوع، شاكرين الله الآب به»؛ فهل هذا العمل الشائن يمكن عمله باسم المسيح؟ هذا العمل يتعارض تمامًا مع الروح القدس الساكن فينا، والذي أوصانا الرب من جهته أن لا نحزنه (أف4: 30). كما أنه يخرج الشخص تمامًا من مجال عمل الروح القدس، فيصبح سالكًا بحسب الجسد، وغير نافع بالمرة للسيد (رو8: 5-9؛ 2تي2: 21، 22). هذا العمل يستثير الجهاز الجنسي فوق طاقته، ويؤثِّر على كيمياء المخ وهرمونات الغدد، وهذا عبث بالجسد الذي هو ليس ملكًا لنا، والذي علينا أن نمجد الله فيه (1كو6: 19، 20)، والذي أيضًا يوصينا الكتاب من جهته أن نقتنيه بقداسة وكرامة (1تس4: 4)، بل ونقدمه ذبيحة مقدسة لله (رو12: 1). هذا العمل يحقِّق اللذة الجنسية بعيدًا عن مجالها الطبيعي الوحيد الذي حدّده الرب لها وصنعها من أجله، ألا وهو مع شريك الحياة. فلذلك هو تعميق لأنانية الشخص، وترسيخ لفكر شرير هو البحث عن المتعة دون التفكير في حقوق الآخر. وهذا يجعل الشخص غير كفء للزواج إن كان لم يتزوج بعد، ويحطم زواجه إن كان متزوجا (1كو7: 3-6). من يزور هذه المواقع، أو يشاهد هذه المواد، يقدِّم خدمة لمن صنعوها، وبالتالي هو يضع يده في يد إبليس، المنتج الحقيقي لكل هذه المواد، وإن كان من يصادق العالم قد صار عدوًا لله (يع4: 4) فماذا يكون من يصادق إبليس؟! الطب النفسي يؤكد أن مشاهدة هذه المواد تقود إلى الإدمان (كما سنوضح لاحقًا) والإدمان عبودية وخطية ونقض صحيح لقول الكتاب في 1كورنثوس6: 12 ورومية 6: 12. هذا الفعل – ببساطة - هو فعل شاذ، وخروج عن المألوف، فليس من الطبيعي أن يرى إنسان شخص آخر عارٍ في وضع جنسي. وبالتالي هو فعل لا يليق (1كو6: 12). كما أنه يُفعَل في الخفاء، ويجلب الخجل لصاحبه؛ لذا فهو من خفايا الخزي التي علينا أن نرفضها (2كو4: 2)، وبالتالي فعله هو نقض سافر لقول الكتاب في هذه المواضع المشار إليها. ما الذي يدفع الإنسان بصفة عامة إلى هذه الخطية؟ أعتقد أن هناك ثلاثة أسباب على الأقل: أولاً: الطبيعة البشرية وقد فسدت بسكنى الخطية فيها، صارت تدفع صاحبها لهذه الخطية من خلال التشوهات التي حدثت فيها، مثل: عشق اللذة المسروقة، وسرعة الملل من اللذة المشروعة، «المياه المسروقة حلوة وخبز الخفية لذيذ» (أم9: 17). عشق الذات والعيشة من أجل ”الأنا“، تجعل الإنسان يستعمل الغريزة الجنسية في غير موضعها، ولغير غرضها الذي صممَّها الخالق الحكيم من أجله. فهو قد صمَّمها لكي تشبع في الاتحاد مع الآخر، الذي هو شريك الحياة. لكن الطبيعة الفاسدة تجعل صاحبها منكفئًا على ذاته، يعيش بطمع وأنانية فجة لإشباع رغبته والحصول على اللذة من أي طريق. عشق الإطلاع على المحرَّمات، كتعبير عن كبرياء القلب وتمرّده. وقد كانت هذه الرغبة هي أول ما ظهر بعد السقوط في تكوين3. ثانيا: إبليس الروح النجس، وهو يبغي إحكام قبضته على البشر، لم يجد أفضل من الغريزة الجنسية لتكون هي حبله الذي يلفّه على رقابهم ويسحبهم منه وراءه كالثور إلى الذبح أو كالغبي إلى قيد القصاص (أم7: 22). ثالثا: محبة المال محبة المال كانت، وستظل، هي طاقة الإبداع لكل شرٍّ جديد! وفي سبيل حبِّه والحصول عليه، تُداس كل القوانين الإلهية بالأقدام. إنها فعلاً وحقًا كما قال عنها الكتاب: «أصل لكل الشرور» (1تي6: 10). ولقد فاقت هذه التجارة اليوم تجارة السلاح وتجارة المخدرات! إنها ليست بعشرات المليارات، بل بعشرات التريليونات، والبعض يؤكد أنها تخطت حاجز المائة وعشرين تريليون دولار!! هؤلاء الفاسدون كوَّنوا إمبراطورية الشر والفساد لكي يجمعوا الأموال على ركام نفوس وأجساد الناس. وفي رأيي أن من يشتري هو شريك في هذا الشر كمن يبيع. هل هناك أمثلة كتابية على دينونة الله لهذه الخطية؟ إذا كنا اقتنعنا أنها خطية، فهناك حتمًا الدينونة. والكتاب سجَّل لنا حادثة هامة ترينا كراهية الله لهذه الخطية ونتائجها المروعة: حام ونسله والبورنوجرافي إن قصة حام بن نوح تعطينا انطباعًا عن فكر الله وموقفه تجاه هذه الخطية. ومن الجانب الآخر، يمكننا القول إن هذه الخطية هي مفتاح الإجابة عن أسئلة شائكة كثيرة متعلقة بحام ونسله! ودعني أوضِّح لك هذا في نقاط سريعة، بشرط أن يرجع القارئ العزيز إلى النص الكتابي في تكوين 9: 20-26 ثم لاويين 18و20. كانت مشكلة حام بن نوح هي أن نوح سَكِرَ وتعرَّى؛ فيقول الكتاب: «فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه». فلما استيقظ نوح من خمره، يقول الكتاب: «علم ما فعل به ابنه الصغير؛ فقال: ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لإخوته». من الواضح هنا أن هذه الرؤية لجسد أبيه عاريًا لم تكن عفوية، لكنها كانت رؤية مقصودة؛ وإلا ما كان نوح غضب ولعن. كلمة العورة في الكتاب المقدس هي الكلمة العبرية ”إرفاه Ervah“، وتعني ”ما لايحل رؤيته“، وأصلها هو كلمة ”أراه Arah“، وتعني عرَّى أو عريّ ولذلك تترجم عبارة «يكشف عورته (أو عورتها)» في الإنجليزية:”Uncover his (or her) nakedness“، أي يكشف عريه أو عريها. إذًا، المسألة هي: ”مسألة إشباع رغبة فاسدة برؤية جسد آخر عارٍ في أوضاع مختلفة“، كما نفهم من لاويين 18و20. وما يلفت الانتباه بشدة، أن هذه الكلمة ذُكرت لأول مرة في العهد القديم في تكوين9 عن حام، ثم ذُكرت بعد هذا بكثرة شديدة عن نسله، كنعان، في لاويين 18و20، لدرجة أنها تذكر في كل العهد القديم 53 مرة، منهم 31 مرة في هذين الإصحاحين فقط!!! لماذا يلعن نوح كنعان وليس حام؟ لأن هذه الخطية التي ارتكبها حام مرة كانت عتيدة أن تصبح سمة مغروسة في كيان نسله العتيد أن يأتي من كنعان ابنه!! إذًا، كان نوح هنا يتنبأ عن لعنة سيوقعها الرب على شعب كنعان. والكتاب يسجِّل لنا - بالتفصيل الدقيق - كيف غرق الكنعانيون في هذه الخطية بشكل مرعب، حتى أنها كانت هي سبب قضاء الله عليهم وإبادتهم وإعطاء بني إسرائيل أرضهم. ما بدأه الآب ”حام“ في تكوين 9، بمجرّد رؤية الجسد العاري بغرض جنسي، انتهى على يد الأبناء، في لاويين 18و20، بكل أنواع الخطايا الجنسية، بل والشذوذ الجنسي. وهذا مصير من يبدأون بالبورنو الآن، ثم تكتمل القصة بدينونة الله. يمكنني القول إن اللعنة في تكوين3، جاءت بسبب الرغبة في معرفة ما لا يحل معرفته، وجاءت في تكوين 9 بسبب رؤية ما لا يحل رؤيته، وهاتان الرغبتان الرديئتان هما العاملتان الآن وراء انتشار البورنوجرافي. كثيرون يتسائلون: لماذا جعل الله بني إسرائيل يبيدون الكنعانيين؟ هؤلاء لم يكلِّفوا أنفسهم عناء قراءة سفر اللاويين ليعرفوا الأسباب. وسأذكر لك عبارات قليلة للغاية ترينا أن واحدًا من أهم الأسباب كان هو الانحلال الجنسي والتمرد على ما وضعه الله من قوانين لضبط هذه الغريزة. «وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. مِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي سَكَنْتُمْ فِيهَا لاَ تَعْمَلُوا، وَمِثْلَ عَمَلِ أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا آتٍ بِكُمْ إِلَيْهَا لاَ تَعْمَلُوا، وَحَسَبَ فَرَائِضِهِمْ لاَ تَسْلُكُوا». ثم يتكلم بعدها عن قائمة خطايا جنسية مرعبة، ولا سيما مسألة كشف العورة، والتي فهمنا أنه تعني رؤية الجسد العاري لأغراض جنسية، مكررًا كلمة العورة 24 مرة! ثم يختم بالقول: «بِكُلِّ هذِهِ لاَ تَتَنَجَّسُوا، لأَنَّهُ بِكُلِّ هذِهِ قَدْ تَنَجَّسَ الشُّعُوبُ الَّذِينَ أَنَا طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكُمْ... لأَنَّ جَمِيعَ هذِهِ الرَّجَسَاتِ قَدْ عَمِلَهَا أَهْلُ الأَرْضِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ فَتَنَجَّسَتِ الأَرْضُ. فَلاَ تَقْذِفُكُمُ الأَرْضُ بِتَنْجِيسِكُمْ إِيَّاهَا كَمَا قَذَفَتِ الشُّعُوبَ الَّتِي قَبْلَكُمْ. بَلْ كُلُّ مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ هذِهِ الرَّجَسَاتِ تُقْطَعُ الأَنْفُسُ الَّتِي تَعْمَلُهَا مِنْ شَعْبِهَا. فَتَحْفَظُونَ شَعَائِرِي لِكَيْ لاَ تَعْمَلُوا شَيْئًا مِنَ الرُّسُومِ الرَّجِسَةِ الَّتِي عُمِلَتْ قَبْلَكُمْ وَلاَ تَتَنَجَّسُوا بِهَا. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ» (لاويين 18: 24-30). - يكفيني شخصيًا كلمة واحدة أرى من خلالها بشاعة هذه الخطايا في عيني الله، وقد جاءت في عبارة في لاويين 20: 23 «ولا تسلكون في رسوم الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم». ثانيًا: الأخطار النفسية والاجتماعية ما سأذكره الآن، أذكره كطبيب نفسي، وبكل أمانة علمية، معتمدًا على آراء الباحثين في هذا المجال. وأبدأ بما قاله واحد من الباحثين المحترمين في هذا المجال، وهو دافيد سانفورد إذ يقول: ”كثير من المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت تقدِّم مواقعها مجانًا، وعندما يقرأ المخدوع أنها مجانًا قد يظن أنها بسيطة وليست خطيرة، طالما أنها مجانية، وهو لا يدري أنها أكذوبة كبرى، فهي ليست مجانًا على الإطلاق. ولا يمكن أن تكون مجانًا وهي تهدِّد سلامة أطفالك وزواجك وسمعتك وشعورك بالقيمة الذاتية، إنك ستدفع الكثير والكثير، والتكلفة باهظة للغاية“. وسأبدأ بأدهى النتائج، وإن كانت ليست الوحيدة، ألا وهي: الإدمان هل يُدمن الإنسان تعاطي المواد الإباحية كالمواد المخدرة؟ الإجابة العلمية، بكل أمانة، أنها أقوى من الكثير من المواد المخدِّرة، بما فيها الكوكايين!!! ”هل هناك شخص عاقل، رجل أو امراة، يعتقد أنه بإمكانه أن يتعاطى الكوكايين ثم ينجو من قوته الإدمانية؟ بالطبع لا. لكن – للأسف - كثيرون لا يدركون أن طبيعة البورنو الإدمانية لا تقل عن الكوكايين وقد تفوقه. لذا، عندما نتكلم عن البورنو، علينا أن نعلم أن نظرة واحدة لن تكفي. فهو يُنتج، عند النظرة الأولى، تأثيرات فسيولوجية قوية في جسد المشاهد، تعقبها مشاعر سلبية للغاية. ولكن الأخطر هو أن المشاهدة الثانية لن توجد نفس التأثيرات، فيلجأ المشاهد للبحث عن صور أقوى وأردأ مما شاهده سابقًا، لكي يحصل على نفس التأثير الأول. وهكذا ينطبق على المشاهد قاعدة "المردود المتناقص" الذي يدفعه إلى هوة الإدمان السحيقة، بل وإلى البحث عن كل الأشكال التي رآها كأفلام، في أرض الواقع؛ فيضيف إلى مصيبة الإدمان مصيبة الجريمة“. هذا ما قاله الباحث الأمريكي في علم النفس دافيد سانفورد. ويقول آخر: ”إن الإثارة التي تحدث عند المشاهدة لأول مرة، تمسك بالمشاهد وتقيده، وتقوده إلى سلوك إدماني، يزداد عنفًا مع التكرار، حتى يصبح من الصعب جدًا عليه أن يكسر القيد ويتحرر. وكسائر أشكال الإدمان المختلفة تكون التكلفة باهظة للغاية“. وبالطبع هناك مراحل يمرّ بها المشاهد حتى يصبح مدمنًا من المستحيل عليه أن يحرِّر ذاته. وقد وضعها الدكتور: Victor Cline في مراحل أربعة أذكرها باختصار: التصاعد التدريجي في كمية المادة الإباحية التي يتم مشاهدتها، نتيجة قانون المردود المتناقص، الذي يحكم كل المواد المخدرة. التبلد الشعوري من جهة خطورة ما يراه ونوعيته، فينتقل من ما يسمى ”البورنو الناعم“ إلى ”البورنو الصلب“. السلوكيات الجنسية الفجَّة في أرض الواقع. الإدمان، حيث يعلَق الشخص، ويصبح مستغرقًا فيه، ولا يقوى على تحرير نفسه. وسأورد لك، في صورة نقاط، بعضًا من النتائج النفسية والاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى كارثة الإدمان، والتي أجمع عليها الباحثون الذين قرأت لهم. وقد انتقيت منها ما قد تأكدت بنفسي من صدقه من خلال ممارستي العملية: الشعور المستمر بالذنب. فقدان الاحترام للذّات. الفشل في إقامة علاقات صحية وصحيحة في الحياة الواقعية، ولا سيما مع الجنس الآخر. على سبيل المثال، يختزل الشاب الفتاة إلى مجرد جسد، وعندما يلتقيها يشرد خياله في جسدها متأثرًا بما سبق وشاهده، فيتوتر في حديثه وتعامله معها، ولا ينجح في إقامة حتى علاقة عمل سوية معها. تحطّم الزواج، وبالتالي كل ما يلحق به نتائج مروعة. البعض من حديثي الزواج، بحماقة، يظنون أن مثل تلك المشاهد قد تجعل علاقتهم الجسدية أفضل، وهنا يقول د. راندي ألكورن: ”البورنو قد يثيرك جنسيًا إذا شاهدته مع زوجتك، لكنه يحطم كل المعاني النفسية والروحية المرجوة من وراء العلاقة الزوجية الحميمة“. تكوين صورة مغلوطة ومشوَّهة تمامًا عن الجنس في ذهن المشاهد، وبالتالي عندما يأتي دور الممارسة الشرعية يكتشف أنها شيء مختلف تمامًا عن الصورة التي في ذهنه، فيُصاب بالإحباط، غير مدرك أن ما سبق ورآه لم يكن حقيقي بالمرة، بل هو من صنع أساتذة التصوير والمونتاج السينمائي. تقلِّل القدرة على التفكير المنطقي. في جو الإثارة الجنسية البالغة، يتم تغييب العقل، من حيث القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف؛ الأمر الذي يستمر مع صاحبه من كثرة تكراره. ويقول Laurie Hall مؤلف كتاب ”اهتمامات العقل“: ”إن التعرض لمدة عشرة دقائق فقط لمشاهد إباحية قادرة على تغيير منظوماتك الفكرية“!! تزيد من خطر الاندماج في أفعال عنيفة لا أخلاقية. تزيد من معدلات الجريمة ضد النساء والأطفال. وهنا لا بد أن نذكر ما ذكره جيمس دوبسون عن حواره الذي أجراه مع أشهر سفاح عرفته الولايات المتحدة ألا وهو Ted Bundy، قبل إعدامه بساعات، وكان هذا الرجل قد قتل خمسين امرأة وفتاة، وأكل لحم بعضهن. عندما سأله د. دوبسون: ”هل تستحق الإعدام؟“ أجاب بأنه يستحق؛ لأنه يتحتم على المجتمع أن يحمي نفسه من أمثالي، لكن على المجتمع أيضًا أن يحمي نفسه من البورنوجرافي الذي سيصنع Ted Bundy آخر وآخر. تزيد من خطر الاندماج في ”البيدوفيليا“، وهي الرغبة الشديدة لممارسة الجنس مع الأطفال، وتعتبر من وجهة نظر الطب النفسي مرض نفسي يحتاج إلى علاج، لكنها في الحقيقة جريمة أخلاقية يعاقب عليها القانون هنا، وسيعاقبها الله بالدينونة الأبدية هناك. تزيد من خطر الاستغلال السيء التجاري للأطفال والمراهقين. تزيد من خطر تدمير كل شيء له قيمة باقية. ثالثا: الأخطار الجسدية والزمنية هل يتأثر جسد الشخص من كثرة إطلاعه على المواد الإباحية؟ وهل يتأثر واقعه المهني والمادي من وراءها؟ الأثار الجنسية: لقد كون الله الجهاز التناسلي في الرجل أو المراة لغرض محدَّد بدقة، هو التوحد مع شريك الحياة وإنجاب النسل. وهو جهاز حسّاس للغاية، تتحكم فيه مواد كيميائية، هي الهرمونات، التي تُفرز بحساب شديد التعقيد، وبكميات قليلة للغاية، لكنها كافية لتحقيق الغرض. لكن ما يحدث عند التعرض للمواد الإباحية هو استثارة مبالغ فيها لهذا الجهاز الحساس، أكبر من طاقته، فتكون كمن يمدِّد ”ياي“ (سوستة) ويفرده أكثر من اللازم، فيفقد حساسيته ومرونته، ويفسد مع الوقت. القذف المبكر: واحدة من أكثر المشاكل شيوعًا في العلاقات الزوجية، وتؤدي إلى توترات نفسية وعائلية كثيرة. وواحد من أسبابها، وليس السبب الوحيد، هو ممارسة العادة السرية، أو مشاهدة المواد الإباحية؛ لأن الشخص في هاتين الحالتين يريد أن يصل لقمة الإثارة بسرعة قبل أن يراه أحد، فيتكون عنده فعل شرطي بين المتعة الجنسية وسرعة القذف. توابع الإدمان: كلنا يعلم أن هناك تدهور صحي وعقلي ووظيفي ومالي يحدث لكل من يتعاطى المواد المخدرة، كذلك نؤكد أنها هي نفسها تحدث لمدمني تعاطي المواد الإباحية. الأمراض النفسجسمانية: وهي الأثار الجسمانية المختلفة الناجمة عن الشعور المستمر بالذنب، والشعور بفقدان القيمة، وعدم احترام الذات. ثانيًا: التشخيص كيف يمكن لزوجة أو زوج أن يكتشف أن شريك الحياة يتعاطى هذه المواد الإباحية؟ أو كيف يمكن للأبوين اكتشاف أن ابنهما أو بنتهما تتعاطى هذه المواد من خلال الفضائيات أو الإنترنت؟ ابحث عن العلامات الآتية: إذا كان في البيت ”دِش“ ولاحظت الأسرة أن فردًأ منها يحرص أن يجلس أمام التليفزيون بعد نوم جميع من في البيت. إذا تغير سلوك أحد أفراد الأسرة فجأة، فصار يحرص على أن يبقى في البيت بمفرده عند خروج الجميع لحضور اجتماع أو زيارة عائلية، على سبيل المثال، ولم تكن هذه عادته من قبل. إذا تغير سلوك أحد أفراد الأسرة في تعامله مع جهاز الكومبيوتر، فصار يتوتر عند اقتراب أحد إليه، ويغير بسرعة ما كان يشاهده أو يسمعه أو يقرأه. إذا صار أحد افراد الأسرة يحاول أن يختلي مع الكومبيوتر في غرفته، بعيدًا عن الأعين، ويغلق بابه عليه، ويقضي وقتًا أطول معه. كذلك هناك بعض الأسئلة التي أتوجه بها للزوجين، وللزوجات بصفة خاصة؛ إذ أن نسبة تعرض الرجال لهذه المصيبة أكثر: هل حدث فتور فجائي في الحياة الروحية لشريك الحياة؟ هل أصبح زوجك فجأة أقل رومانسية تجاهك؟ هل فقد، أو فقدت، الرغبة في العلاقة الزوجية الحميمة؟ هل صار يشتكي فجأة من عدم تمكنه من النوم الجيد أثناء الليل؟ هل أصبح شريك الحياة يقضي ساعات على الإنترنت في الليل أو في الصباح الباكر؟ لكي تتأكد أن هناك من أفراد العائلة من يدخل على المواقع الإباحية يمكنك أن تتَّبع الآتي: أيَّما كان المتصفح المستخدم في تصفح الإنترنت (أشهر هذه المتصفحات: Internet Explorer, FireFox, Opera, Chrome)، يمكن معرفة المواقع التي تمت زياراتها لفترة شهر مضى على الأقل. هذه الخاصية تسمى في المتصفح History، ويمكن الوصول إليها، في المتصفحات الأربعة، عن طريق ضغط زر ctrl وفي نفس الوقت حرف H. ستظهر الصفحات التي تم زيارتها مقسمة حسب تاريخ زيارتها. اضغط على التاريخ ستظهر لك الصفحات التي تم زيارتها فيه. إذا اكتشفت أن أحدًا قد دخل على مواقع إباحية، وهي تظهر بوضوح من أسمائها، اكتب على الفور أسماء هذه المواقع وتاريخ الدخول عليها، ثم ابحث عن من الذي كان متواجدًا أمام الكمبيوتر في هذه المواقيت. وكذلك لاحظ مدى تكرار الدخول على المواقع الإباحية لكي تعرف شدة الحالة. إذا وجدت الـ Histroy خالٍ تمامًا من أي صفحات؛ فاعلم أن واحدًا قد قام بمحو تاريخ المتصفح، وهي خاصية متاحة في جميع المتصفحات تحت مسمى delete private data، أو ما يشبه ذلك. في هذه الحالة أيضًا ينبغي أن نشك، لأن محو التاريخ قد يعني محاولة لإخفاء شيء ما. فعلينا المزيد من مراقبة السلوك على الإنترنت، وربما استخدام أحد البرامج التي تقع تحت مسمى Parental Control، وهي متوفرة على الشبكة. ملاحظة هامة جدًا: بالطبع كل ما سبق يمكن أن يرجع لأسباب أخرى؛ فدعونا لا نتسرع في الحكم، لكن لنراقب الأمر، ونصلِّ، حتى يكشف الرب الحقيقة. ولنكن كالمرأة الفاضلة التي تراقب طرق أهل بيتها (أم31: 27). وإذا تأكّدنا من الشكوك، فعلينا أن نقضي وقتًا في الصوم والصلاة قبل أن نبدا خطوات العلاج. ثالثًا: العلاج أرجو أن يكون واضحًا أنني أكتب هذا العلاج لأولاد الله فقط، لسببين: لأن الذي لم يولد من الله إلى الآن يحتاج إلى تحرير شامل من عبودية الخطية بصفة عامة، وليس من هذه الخطية فقط؛ وبالتالي إذا أنا انشغلت بعلاجه من هذا المرض وأهملت مسألة نواله الحياة الأبدية، أكون كطبيب جاهل يوجِّه كل اهتمامه لعلاج أحد أدوار البرد عند مريض مشرف على الموت بسبب مرض خطير آخر. كما أن مصادر العلاج التي سأشير إليها ليست متوفرة لدى غير المولود من الله بسبب انفصاله عن الله؛ وبالتالي إذا حاولت علاجه أكون كطبيب غير حكيم يصف دواءً لمريض وهو يدرك أنه يستحيل الحصول عليه! فما هي جدوى كتابته؟ من الجانب الآخر أكتب للمولود من الله لأنه سيفهم جيدًا ما سبق وقُلته عن خطورة هذا الوباء على حياته وعلى أسرته وعلى مستقبله الاجتماعي والروحي. كما أنه يكره جدًا أن يكون الرب غير راضٍ عنه، ويخشى الوقوع تحت يده القوية. كما أنه سيجتهد في طاعة ما سنقدِّمه من نصائح لأنه يتوق في أعماقه إلى الحرية التي سبق واختبرها وعاشها من قبل، وفوق الكل هو يمتلك كل المصادر التي تساعده على الشفاء إذا هو أراد. ومن المشجع في البداية أن أذكر لأولاد الله الراغبين بصدق في العلاج، ما قاله الكاتب المسيحي ذائع الصيت راندي ألكورن: ”إن تجنب هذه التجربة والنجاة من السقوط في فخها ممكن وأكيد بنسبة عالية جدَا“. وقد قال هذا من واقع أبحاثه وتجربته مع كثيرين قد نالوا الشفاء. إذًا يوجد دائمًا رجاء في المسيح. وسأقدِّم العلاج في ثلاثة نقاط: المواجهة مع من سقط، الوقاية لمن يريد الحماية، العلاج لمن سقط. أولا: المواجهة إذا كانت المواجهة مع ابن أو ابنة: هناك مبدأ هام في علاج أي ابن أو ابنة من جهة أي خطية؛ ألا وهو أن نكون معه وفي صفه في مواجهة الخطية، لا أن نكون نحن والخطية عليه. ولا بد من أن يشعر أولادنا بهذا من الصغر، وبالتالي فعند سقوطهم في الخطية لا يجدون صعوبة في اللجوء إلينا وطلب مساعدتنا، بدلاً من التفنن في الهروب منا ومحاولة خداعنا. إذا تأكّدنا من العلامات السابق ذكرها، ومن خلال مراقبة للشخص وفحص الملفات، أن هناك سقوط في فخ هذه الخطية علينا الآتي: قضاء بضعة أيام في الصلاة قبل مواجهته. ويمكن أن يقوم بهذا العمل أحد الوالدين أو كلاهما، طبقا لنوعية شخصية شريك الحياة وحالته الروحية. يتم اختيار توقيت مناسب خالٍ من التوترات، ويتم الاقتراب بكل محبة للشاب أو الشابة لنذكِّره بهذا المبدإ: أننا دائما وأبدًا معه ضد الخطإ، ولن نكون أبدًا نحن والخطأ عليه. نصارحه بما عرفناه، ونخبره بأننا قد تأكدنا من ظنوننا دون أن نخبره بأدلتنا. نطلعه على هذا العدد من المجلة، ونقرأه معه ليعرف حجم الأخطار المترتبة على هذا الأمر، وليعرف - بصفة خاصة - غضب الله على من يفعلون هذا. ويكفي أن نقرا له لاويين 20: 23 عندما يقول الرب: «لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم». إذا كان غير مولود من الله، لا بد أن نشجِّعه على التوبة وطلب الخلاص. نخبره بأننا سنتخذ بعض الأجراءات العاجلة لحمايته، مثل وضع الكومبيوتر في مكان عام، وحق مراقبة جهازه الخاص إن كان لديه جهاز خاص به. ويمكن سحبه منه لعدة أيام. حق فحص تليفونه المحمول في أي وقت. كل هذا بغرض حمايته من نفسه. أما إذا كانت المواجهة مع شريك الحياة، فليكن الأمر كالآتي: ليس من الحكمة المواجهة المستعجلة، لكن اعمل، أو اعملي، خطة حكيمة للمواجهة، تبدأ بالصوم والصلاة لبضعة أيام. ثم اختر وقتًا مناسبًا، كأن تكونا وحدكما في البيت، أو تتناولان طعامًا معًا خارج المنزل في أحد المطاعم. أي احرص على أن يكون الجو مهيَّأً نفسيًا. ثم كاشِفه بما اكتشفته، بصوت خفيض، وبدون لوم أو إدانة أو تعيير. بعد المكاشفة، أكِّد لشريك الحياة أن حبّك غير المشروط كما هو، ولم يتأثر بهذا الفعل. وإذا كانت الزوجة هي التي تتحدث إلى زوجها، فعليها أن تؤكِّد له أن احترامها له لم يَقِلّ، وأنها تعرف أن كثير من الرجال يتعرضون لهذه التجربة، وأنها قامت بمسح كل شيء يتعلق بهذه الحادثة لكي لا يعرف الأولاد عنها شيئًا، وأنك تبغي من كل قلبك مساعدته لعبور هذه الأزمة. اطلع شريك الحياة على هذا المقال لتبصِّره بحجم غضب الله وبقية الأخطار المُحدقة بزواجكما وبأولادكما. ثانيا الوقاية إذا كنت قد تعرَّضت مرة أو مرتين لهذه الخطية، وتبغي من قلبك، كابن لله، حماية نفسك وعائلتك من نتائجها؛ فأرجوك فكِّر في الآتي واتبعه: امسك بورقة وقلم واحسب التكلفة الباهظة والمجنونة التي ستتكلفها - بناءً على ما قرأته في هذا المقال - إذا كنت عتيد أن تستمر في هذه الخطية. تذكّر روعة وجمال الشعور بالطهارة. تذكّر أنك ستكون أحد زبائن الفساد والانحلال. استدعِ، واستعمل معوناتك التي لك في المسيح. احرس قلبك وعقلك، وكن قاسيًا على نفسك في هذا التدريب الروحي الهام. اتخذ إجراءات صارمة وقاطعة ونهائية، لتجنب التجربة. تذكّر أن الله يراك دائمًا، وتذكّر عصا تأديبه لك كأب يحب أبناءه. تذكّر أنك أنت وعائلتك سوف تعيشون بمكافآت اختياراتك المقدسة، أو بنتائج اختياراتك الدنسة. ثالثا: العلاج لمن سقط في هوة الإدمان ابدأ بالحديث مع الله بخصوص هذا الأمر، واعترف لله بأنك فعلت هذا، على الرغم من كونك تعلم أنه يعلم. تمسك بمواعيد الكتاب التي تؤكد غفران الله لنا، إذا اعترفنا بخطايانا، على أساس دم المسيح الذي سُفك بسبب هذه الخطايا (1يو1: 9). قُم بإزالة ومسح أي شيء إباحي باقٍ على جهازك. إن أمكن مصارحة أحد الأبوين، أو شريك الحياة، فهذا محبَّب، بشرط أن يكون هذا الشخص على مستوى المسؤولية، وناضج يصلح للمساعدة. اجعل دخولك على الإنترنت في مكان يمكن مراقبته من أي شخص في البيت، واطلب - إن أمكن - من شريك حياتك أن يعمل كلمة مرور على الإنترنت بحيث لا يمكنك الدخول بدون أن يفتح هو لك. اطلب من فني القنوات الفضائية أن يشفِّر كل القنوات، ولا يفتح لك إلا القنوات التي تطلبها، ولا يعطيك مفتاح الشفرة. ولا تطلب منه معرفة كيفية التشفير. ابتعد عن أي صداقات، أو أي أماكن، يمكن أن تتعرض فيها لهذه التجربة. ارتبط بمجموعة مؤمنين يمكِّنوا لك الدعم الروحي والعملي لمواجهة هذه التجربة. انتقي شخصًا تقيًا، واجعله أمين سرك في هذا الأمر. والجأ إليه لكي تعترف له إذا سقطت، ليساعدك على النهوض. واعطه الحق أن يسألك في أي وقت عن هذا الأمر، وكن دائمًا أمينًا معه في الإجابة. اقرأ الكتب الروحية، وانخرط في خدمة الرب الحقيقية. وتذكر أنه دائمًا يوجد في المسيح رجاء
  • الصحوة الدينية وثقافة الإحباط

    بقلم الدكتور ماهر صموئيل لا يخفى على أي مراقب لسلوكيات البشر في الآونة الأخيرة، أن الاهتمام بالروحانيات بصفة عامة، وبالدين بصفة خاصة، قد زاد بشكل ملحوظ، ولا سيما في العِقدين الأخيرين من القرن العشرين، ولم يزل هذا الازدياد مستمرًا حتى الآن. ومع كونه يعمّ العالم كله بمختلف اتجاهاته الدينية والفكرية، إلا أنه زائد بشكل لافت للنظر هنا في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية. ونظرة سريعة على الشارع المصري، لا تترك لي فرصة للتردد في القول بأن التدين في بلادنا قد صار هو شغل الناس الشاغل، بل وأصبح يسيطر على كل مجالات حياتهم ابتداءً من تحيتهم وحتى التضحية بحياتهم!! فبمجرد ما تطأ قدماي الشارع، تسمع أذناي وترى عيناي آثار التدين الشديد في ملبس الناس ولغتهم، في مظهرهم وأفكارهم، في أنشطتهم وأوجه إنفاقهم. وإذا ركبت تاكسي أجد السائق يستمع لشيء ديني ومظهره وردوده توحي بالتديّن الشديد. وعندما أسمع رغمًا عني أحاديث الراكبين معي في القطار، أو حتى رنات تليفوناتهم المحمولة (!) أجد بصمة الدين عميقة. عندما أرى وأسمع كل هذا، تقفز على الفور إلى ذهني تلك العبارات التي تردِّدها مختلف المصادر الثقافية في هذه الأيام، مثل: المَدّ الديني، الصحوة الدينية، العودة إلى الدين، وغيرها. وعلى صعيد المستوى العالمي، تؤكد الإحصائيات زيادة عدد المتدينين، وزيادة تعمق المتدينين في ديانتهم، أي أنها تؤكد أن هناك نموًا كمّيا وأيضا نوعيًا للدين. فالأبحاث السوسيولوجية واستطلاعات الرأي المستمرة في أمريكا تؤكد هذا النمو، ولا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر. أحدها أُجري في الصيف الماضي، صيف 2006، أظهر نقصًا شديدًا في عدد الذين يعتنقون نظرية التطور، وزيادة كبرى في عدد الذين يؤمنون بالخلق! وفي تقرير خاص عن الصلاة لمجلة U.S.News وفي عددها الصادر في 20 ديسمبر 2004 ذكر أن نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية يمارسون الصلاة أو التأمل يوميًا! كذلك ذكر أحد استطلاعات الرأي التي نشرتها النيوزويك في عام 96 أن اهتمام الناس على مستوى العالم بالأمور الروحانية زاد بشدة، حتى أن مبيعات الكتب التي تتكلم عن التأمل والصلاة والروحانيات زاد عن مبيعات كتب الجنس وكتب بناء الذات!! وهنا في مصر تستأثر المطبوعات الدينية وحدها بما يقرب من 30 % من مبيعات معرض القاهرة الدولي للكتاب كل عام!!! بل حتى الصين أيضًا قد وصلها هذا المد الديني، فبعد عقود من القهر الديني على يد الثورة الثقافية التي قادها ماو تسي تونج في النصف الثاني من القرن العشرين، جاءت الإنفراجة في السنوات القليلة الماضية بشكل مذهل. فقد أوضح استطلاع للرأي أجرته جامعة شنغهاي، ونشرته جريدة الأهرام في فبراير 2007، أن عدد المتدينين من جميع الديانات الموجودة في الصين قد زاد بشدة حتى أنه صار أكبر بثلاثة أضعاف من التقديرات الرسمية!! والمراقب للنشاط الديني المسيحي في مصر، لا بد أنه سيلحظ أن هناك أيضًا صحوة دينية مسيحية في ذات الفترة، تشمل الأوساط التقليدية وأيضًا البروتستانتية. تعبِّر عن نفسها في الكنيسة التقليدية بالإكثار من ممارسة الأشكال المعتادة للتدين هناك، بالإضافة إلى استحداث أشكال جديدة لم تمارسها الكنيسة التقليدية من قبل. فعلى سبيل المثال، كان عدد القُدّاسات لا يزيد عن اثنين في الأسبوع حتى السبعينيات، بينما حاليًا يُقام قداس كل يوم، وأحيانا أكثر من قداس في اليوم الواحد. كذلك تم استحداث نشاط المؤتمرات والاجتماعات النوعية؛ كاجتماع الأسرة والأسر الجامعية وغيرها. كذلك الإكثار من زيارات الأديرة بشكل أصبح شبه يومي باستثناء أيام الصوم الكبير. أما الأوساط البروتستانتية، وهي التي تشغلنا أكثر، فقد تأثرت بشدة بالنهضة الدينية الأمريكية الحادثة في نفس الفترة الزمنية واكتسبت ملامحها إلى حد كبير. وهي المتمثلة في حركات الشفاء والإيمان وإنجيل الصحة والرفاهية والضحك وغيرها. وإزاء كل هذا، ولكوننا أيضًا لا نكفّ عن أن نصلي ونترجى من الرب كل يوم عملاً إلهيًا حقيقيًا به تخلص النفوس، وبه يزداد تكريس المؤمنين للرب، نجد بعض الأسئلة تطرح نفسها بشدة علينا، وتلزمنا بأن نجد إجابة لها مثل:- هل من علاقة بين هذه النهضة الدينية المسيحية، ولا سيما الحادثة في بلادنا، وبين هذه الصحوة الروحانية والدينية التي تجتاح العالم بمختلف اتجاهاته ودياناته؟ هل هذا الحماس الديني الذي نراه في أوساطنا المسيحية، هو عمل إلهي حقيقي بفعل الروح القدس في النفوس وبالتالي نفرح له؟ أم أنه مجرد جزء من هذه الصحوة الدينية التي تجتاح العالم الآن بكل أديانه؟ هل امتلاء الكنائس بالحاضرين، وهل مئات المؤتمرات التي تُعقد كل عام، وهل وجود اجتماعات يحضرها عشرات الألاف وأحيانًا مئات الألاف كما نرى من خلال الفضائيات، هو شيء حقيقي؟ أم هو جزء من هذا المد الديني الذي يجتاح العالم؟ هل انتشار ميديا الطرب والفن الديني من أغاني وكليبات ومسرحيات وأفلام ومسلسلات مسيحية بشكل يفوق التوقعات، لدرجة أنه أصبح بيزنس يدر ارباحًا خيالية لكثيرين، شيء يُسعِد أم أنه أحد توابع هذا المد الديني؟ هل وجود رجال ونساء في مجال الوعظ يمكن أن يطلق عليهم ”ستارز“، وبالتالي وجود ”سوبر ستارز“، يجري وراءهم المسيحيون في كل مكان هو ظاهرة صحية أم لا؟ هذه الأسئلة، أعزائي الشباب، استوقفتني وأنا أراقب وأحلّل، بإخلاص، ما يحدث حولي. وأود هنا أن أشارككم بوجهة نظري من جهةمدى مصداقية هذه الصحوة على الجانب المسيحي، وأيضًا من جهة العوامل التي أدّت إلى ظهورها. لعلها تحمل لكم فائدة. والدافع الذي يدفعني لهذا التحليل، ليس هو مجرد طبع شخصي يحكمني في تعاملي مع أي أمر يواجهني، لكنه بالأكثر طاعة لتعليم الكتاب الذي أمرنا بأن نمتحن كل شيء (1تس5: 21)، وبألا نصدق كل روح بل علينا أن نمتحن الأرواح (1يو4: 1). كما تدفعني إليه حقيقة ساطعة على صفحات التاريخ المقدس، ألا وهي أنه لم يأتِ وقت على شعب الله لم يختلط فيه الثمين مع المرذول (أر15: 19) والتبن مع الحنطة (أر23: 29) والحقيقي مع الزائف (مت13: 47). ولست أبغي من وراء هذا التحليل، والله شاهد لي، سوى استجلاء الحقيقة التي تجعلنا نعرف أين نحن فنصحِّح اتجاهاتنا نحو نهضة حقيقية بعمل روح الله فعلاً وحقًا. أولاً: مصداقية الصحوة الصحوة الدينية والصحوة الأخلاقية إن أول ما يلفت نظري في هذه النهضة أو الصحوة الدينية المسيحية الحالية، هو أنه لم يصحبها، بذات القدر، نهضة أخلاقية في حياة المتدينين!! بينما أول ما نتعلمه من الكتاب المقدس عن الخلاص الذي يقدِّمه الإنجيل، هو أنه ليس فقط خلاصًا قضائيًا من دينونة الله بدم المسيح يضمن لصاحبه وصولاً للسماء، لكنه أيضًا خلاص أدبي وأخلاقي بغُسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، يضمن لصاحبه سلوكًا تَقَويًا مؤثرًا ونافعًا للآخرين هنا على الأرض. وبالتالي إذا كانت هناك نهضة مسيحية حقيقية فهي في المقام الأول نهضة أخلاقية. انظر على سبيل المثال ما يقوله الرسول بولس في رسالته لتيطس عن الكريتيين، مع ملاحظة الموروث الأخلاقي البشع لهؤلاء الكريتين كما يذكره في تيطس 1: 12 والذي يتلخص في أنهم: دائمًا كذّابون!! ووحوش ردية!! وبطون بطالة!! ومع هذا يقول له عنهم «ذَكِّرْهُمْ أَنْ يَخْضَعُوا لِلرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينِ وَيُطِيعُوا، وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَلاَ يَطْعَنُوا فِي أَحَدٍ، وَيَكُونُوا غَيْرَ مُخَاصِمِينَ، حُلَمَاءَ، مُظْهِرِينَ كُلَّ وَدَاعَةٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ» (تي3: 1،2). أليست هذه المطالب السبعة كلها مطاليب أخلاقية تحتِّم أخلاقًا راقية للغاية؟ ولئلا يظن تيطس أن هذا المستوى الأخلاقي أكبر من طاقة الكريتين لسبب طبيعتهم كشعب، ولكونهم راجعين حديثًا إلى الرب، يضيف بولس ما يؤكِّد أن هذا التغيير الأخلاقي هو الحدث العام والمبدئي والمحتَّم حدوثه في حياة جميع الراجعين إلى الرب، والذي لا يتوقف على خلفية الشخص أو عمره الروحي، بل على قدرة الله وعظمة خلاصه! فيقول له: «لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا. وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا اللهِ وَإِحْسَانُهُ - لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغَسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ». إذًا هو يذكر أخلاقيات إيجابية سبعة يتحتّم توفرها فينا، ثم يذكر أخلاقيات سلبية سبعة من المحتّم أن نكون قد تخلّصنا منها، ثم يعزي هذه وتلك لمجرد الحصول على الخلاص. ثم يطلب الرسول من تيطس أن يقرِّر هذه الأمور، بمعنى أن يؤكّدها ويحتّمها. إلا أن ما يثير إعجابي هو الغرض من وراء هذا التأكيد، ألا وهو أن يرى تأثيرها على المؤمنين في مجال العمل الزمني وليس في مجال العبادة أو الخدمة!!! فيقول: «صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ. وَأُرِيدُ أَنْ تُقَرِّرَ هَذِهِ الأُمُورَ، لِكَيْ يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ أَنْ يُمَارِسُوا أَعْمَالاً حَسَنَةً. فَإِنَّ هَذِهِ الأُمُورَ هِيَ الْحَسَنَةُ وَالنَّافِعَةُ لِلنَّاسِ». وإذا أردت أن أكون أكثر تحديدًا لما أقصده بصحوة أو نهضة أخلاقية، كان ينبغي أن تصحب ذلك النشاط الديني الكبير في هذه الأيام، فأنني لا أجد أفضل من تلك الثلاثية الرائعة في تيطس 2: 12 والتي يعتبرها الرسول بولس الدرس الأخلاقي المبدئي الذي تُعلّمه النعمة المخلِّصة للذين خلّصتهم ألا وهو:- التعقل في التعامل مع النفس، والبر في التعامل مع الناس، والتقوى في التعامل مع الله. ولا أعتقد أنني أبالغ أو أتجنّى إذا قلت أن مدة قصيرة من التعامل مع، لا أقول الأشخاص العاديين من المتدينين في هذه الأيام، بل مع قادة ورواد أحيانًا؛ تكفي لكي تكتشف بسرعة غياب التعقل في التعامل مع النفس، أي غياب التعفّف، ولا سيما في مجالي المال والتعامل مع الجنس الآخر. كذلك غياب البِرّ في التعامل مع الآخرين، بمعنى الاستقامة، ولا سيما في مجالي الصدق في الكلام، واحترام حقوق الآخرين، بل على العكس نري تعدّيًا سافرًا على حقوق الآخرين وربما دهسًا لها، واستغلالاً واضحًا لأصحابها! أما في مجال التقوى أي مخافة الله في السر، وخشوع القلب الحقيقي الذي يطبع ويصبغ سلوكيات الإنسان بأرقى الأخلاقيات، فالأمر محزن للغاية إذ نرى كل مظاهر التقوى مع انعدام كامل لقوتها. ويكفي، لكي أبرهن على الغياب النسبي لهذه المبادئ الثلاثة، أن أدعو القارئ العزيز لإلقاء نظرة سريعة على مجالين هامين للغاية من مجالات ظهور الأخلاق الحقيقية للإنسان، ألا وهما العمل والعائلة. هذا، لأنه لا يمكنك أن ترى أخلاق الإنسان الحقيقية في الكنيسة أو في مؤتمر، في العبادة والتسبيح أو في الخدمة. فالجوهر الأخلاقي الحقيقي للإنسان لا ظهر كما يظهر في العمل وفي العائلة. إلا أن الواقع في هذين المجالين، كما أراه من خلال تجوالي في الخدمة في كل الطوائف المسيحية، بالإضافة إلى استماعي لمئات المشاكل من أو عن أناس هم في قمة الحماس الديني، هو واقع مؤلم للغاية!! * العمل الزمني فعلى صعيد مجال العمل الزمني، كثيرون من أصحاب الأعمال، الذين يعمل لديهم شبان وشبات من هؤلاء المتدينين، يشتكون مرّ الشكوى من عدم الأمانة في العمل، والتي وصلت في بعض الحالات إلى التزوير في الأوراق، بل والاختلاس للأموال! بينما هم في غاية النشاط والنشوة الدينية في العبادة والخدمة!!! والعجيب أن هذا التزوير والاختلاس يحدث حتى من بعض العاملين في هيئات مسيحية تقوم بالخدمة!! كما أن أكثر من مدير مؤمن ذكر لي أنه لا يرغب في تعيين مؤمنين تحت رئاسته، ولا سيما من المتحمسين والذين لهم نشاط وخدمة لأنهم غير ملتزمين، وغير جادين في تحمل المسؤولية. أحدهم وهو مدير في إحدى كبريات الشركات المصرية، والتي يتطلع المتفوقون في مصر للعمل فيها، ذكر في ندوة كنت أديرها، وكانت عن ”الخريج الشاب والفكر المسيحي الصحيح تجاه العمل“، أنه حزين ومحبط لأن كثيرين من المؤمنين الذين يقبلهم للعمل، ترفضهم الشركة بعد فترة التدريب إذ يثبت عدم جديتهم وعدم التزامهم بل وعدم أمانتهم في التدريب!! وعندما طلبت منه هذا مكتوبًا وبأرقام وقدّمها لي صُدمت وحزنت حزنا عميقًا. * العائلة وإذا ذهبنا لمجال العائلة سنجد أن الواقع اليوم بين المتحمسين أكثر إيلامًا، ولا أتكلم عن المتحمسين العاديين، بل عن قادة لهذا الزخم الديني تشتكي منهم زوجاتهم مُرّ الشكوى، أو يشتكي منهن أزواجهن بكسرة قلب! ولا أتكلم هنا عن شكوى من المشاكل العادية، بل من أمور تصل لحد الخيانة الأخلاقية!!! نعم أقولها بكل ألم: الخيانة بإقامة علاقات عاطفية خارج الزواج بينما فرص الصلاة في البيوت والارتباط بفرق الخدمة هنا وهناك يتم بكل نشاط وفي ذات الوقت!!! ولديَّ الكثير من القصص الواقعية، والتي تأكدت من صحتها، فيها الكثير من الخزي والعار، وكان أبطالها هم المدعوين قادة وخدام. بل وما قولك في انتشار الطلاق بين هؤلاء المتحمسين؟ حتى أنه في اجتماع واحد للخريجين في إحدى الكنائس هناك ثماني حالات طلاق بين مؤمنين!!! وهناك كثيرون لا يصلون إلى الطلاق؛ حرصًا على نظرة المجتمع ولاستمرار تواجدهم على المنابر، لكن البيت من الداخل منهدم!! والسبب هو عدم الأمانة لذلك العهد الذي قطعوه أمام الله في يوم الزفاف. وما نكث العهد هذا سوى جزءًا من عدم الأمانة بصفة عامة لأي عهد، وغياب روح الإلتزام المكلِّف، وتسرب روح العالم حيث الناس بلا عهد (رو1: 31)! والأدهى هو شكوى الأولاد ولا سيما المراهقون منهم، من آباء وأمهات يقفون على المنابر يقودون ويشعلون الحماس الديني للمئات أو الآلاف، بينما هم في البيوت أناس مختلفون تمامًا حتى من جهة أبسط مبادئ الأخلاق!!! بل إنني سمعت شكاوى مؤلمة من آباء وأمهات تقدّمت بهم الأيام عن تجاهل وإهمال أولادهم لهم، كاسرين أول وصية بوعد «أكرم أباك وأمك»، بينما هؤلاء الأولاد هم قادة في كنائسهم وعلى شاشات الفضائيات. وأعتقد أن هذا الانحدار الأخلاقي ليس بغريب ولا بمستبعد في ظل الكرازة بإنجيل يتجاهل تمامًا مسؤولية الإنسان، بأن يكشف له عن خرابه وفساده وخطاياه وعن أجرة هذه الخطايا، ويدعوه للتوبة الحقيقية. إنجيل يتجاهل قداسة الله ودينونته العادلة، فلا يدعو الإنسان لكراهية الخطية والجوع والعطش للبر. بينما في نفس الوقت يركز على تعظيم الإنسان وإشباع احتياجاته النفسية والزمنية. إنجيل يعلن ليس عن قوة الله لخلاص الخاطئ من شرّه، لكنه يعلن عن أموال الله للفقراء!! إنجيل يعلن ليس عن بر الله كما ظهر في صليب المسيح ليستر عري الفاجر، لكن عن شفاء الله لأجساد مريضة تسكنها كل أنواع الخطايا والشرور. إنجيل يدعو الإنسان لاكتشاف ألوهيته وليس لاكتشاف خطيته وخيبته!! إنجيل ينشر روح النشوى وليس روح التقوى، إنجيل يقدم المسيح خادمًا لاحتياجات الإنسان ورغباته لا مسيحًا ربًّا وإلهًا. إنجيل يدعو الناس كثيرًا للإعتراف بالمسيح سيدًا وإلها، لكن داخل مقار الكنائس وفي التسبيحات فقط وليس في المعاملات الحياتية اليومية!! هذا الواقع الأخلاقي المؤلم يلفت نظر الكثيرين غيري، لكنهم لا يتكلمون؛ خوفًا من أن يكون كلامهم من قبيل إدانة الآخرين، لكن أرجو أن نميّز بين خطية إدانة الآخرين والتي هي على قدر فهمي: تصييد أخطاء الآخرين واستذنابهم بغرض تبرير النفس بدلاً من إدانتها على شرور أكبر تفعلها؛ وبين طاعة وصية السيد في نفس الموعظة الذي أمرنا أن نفحص الثمر لكي نعرف طبيعة الشجرة عندما قال: «من ثمارهم تعرفونهم» (مت7: 16). هذا الواقع الأخلاقي المؤلم يملؤني بالشك في مصداقية هذه الصحوة، ويزداد الشك عندي عندما أقرأ تاريخ النهضات الحقيقية التي كانت نتيجة عمل روح الله فعلاً وحقًّا. ففي كل النهضات الحقيقية كان التغيير الأخلاقي هو المميِّز الأول الذي لفت إليها الأنظار، وحفظها في ذاكرة التاريخ على مرّ الأزمان، وكان السلوك التَقَوي المقدّس هو الدليل الأعظم على صدقها. وسأكتفي بمثال واحد للإختصار، ولن أختار نهضة القرن التاسع عشر في إنجلترا، والتي استخدم الله فيها رجالاً أتقياء مثل جون نلسون داربي وجورج موللر وغيرهم لئلا أُتَهم بالطائفية. لكنني أخترت النهضة التي حدثت في إنجلترا في القرن الثامن عشر، واستخدم روح الله فيها رجالاً مباركين مثل جون وسلي وتشارلس وسلي وهوايتفيلد وغيرهم. انظر ماذا يقول عن هذه النهضة أحد المؤرخين المحترمين وهو ايرل كيرنز: ”لقد استطاع هذا الرجل، جون وسلي (1703-1791)، أن يغيّر مجرى الحياة لعمّال إنجلترا، وقد استطاعت النهضة الإنجيلية في داخل الكنيسة الأنجليكانية والتي حدثت نتيجة النهضة الميثودستية، تغيير الطبقة العليا في إنجلترا، مما جعل إنجلترا تصبح دولة عظمى بين الأمم وضامنة للسلام العالمي طوال القرن التاسع عشر“. وهذا ليس بغريب فالحكيم يقول: «البر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية» (أم 14: 34). وعن عمق هذا التاثير الأخلاقي وشدّة انتشاره، وبالتالي أثره في التاريح، يقول نفس المؤرخ في موضع آخر: ”يتفق المؤرخون على ان الحركة الميثودستية في إنجلترا تقف على قدم المساواة مع الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، كإحدى الظواهر التاريخية الني ميّزت القرن الثامن عشر، بل إن بعض المؤرخين يتفقون مع الفكرة التي تقول إن مواعظ جون وسلي أنقذت إنجلترا من ثورة مماثلة للثورة الفرنسية“!!!! ويقول عنه ول ديورانت في قصة الحضارة (المجلد الثامن عشر عصر فولتير): ”لو حكمنا على عظمة الأفراد بمدى تأثيرهم، لقلنا أن جون وسلي كان أعظم الإنجليز في زمانه“. وإذا أردت، عزيزي القارئ، معرفة المزيد عن قوة التغيير الأخلاقي الذي أحدثته هذه النهضة في حياة شعب بأكمله، ولمدة قرن من الزمن، يمكنك أن تقرا هذا الكتاب الرائع ” England before and after John Wesley إنجلترا قبل وبعد جون وسلي“ للكاتب JW Bready 1938. أو أن تقرأ كتابًا أروع، كتبه ”وودرو ويلسون WOODROW WILSON“ أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين بعنوان ”مكانة جون وسلي في التاريخ John Wesley Place’s in History“ والذي فيه يقول: ”كان القرن الثامن عشر يصرخ طلبًا للخلاص والنور، فأعدّ الله هذا الرجل ليظهر للعالم من جديد قوة وبركة وعظمة تأثير الخلاص في حياة الشعوب“!! بل انظر، عزيزي القارئ، إلى موقف أخلاقي بسيط من مواقف هذا الرجل، يظهر حجم التواضع الجمّ الذي تعلمه من سيده، فبعد أن طبقت شهرته العالم كله، سُئل يومًا عن موقفه من خادم آخر معاصر له هو ”هوايتفيلد“، وقد كانا على طرفي نقيض من جهة التعليم، حيث كان وسلي أرمينيًا بينما كان هوايتفيلد كالفينيًا، لكن عندما سُئِلَ وسلي: هل سترى هوايتفيلد في السماء؟ أجاب قائلاً: لا أعتقد!! ثم أضاف موضِّحًا لماذا، فقال: لأنه سيكون قريبًا للغاية من شخص الرب للدرجة التي يصعب على مثلي أن يراه!! الصحوة الدينية والمعرفة الكتابية الأمر الثاني الذي يجعلني أتشكك في مصداقية هذه الصحوة هو أن هذه االحماسة الدينية الرهيبة لا يصحبها معرفة بكلمة الله تمكِّن المتحمس من مواجهة تجارب الحياة وحروب إبليس. فتجد المؤمنين عمالقة في التسبيح والعبادة والخدمة، ومواظبون بشدة على حضور الاجتماعات والمؤتمرات، لكن عندما تواجه أحدهم تجربة مرض صعب، أو رحيل عزيز، أو حتى مجرد عدم الحصول على الفتاة التي اشتهاها لتكون زوجة له (!!) أو فرصة عمل كان يحلم بها (!!)؛ تجد العملاق ينهار وتسمع منه بكل بساطة كلمات استجواب الله التي لا تليق، بل والتذمر على الله. والسبب من وجهة نظري في هذا هو غياب العلاقة الحقيقية العميقة مع الله المبنية على معرفته معرف جيدة، وهذه بالطبع لا تتأتى ولا تقوم إلا على المعرفة الجيدة لكلمة الله. ولست أبالغ إذا قلت إن معظم المتحمسين دينيًا اليوم، والذين تشملهم هذه الصحوة الدينية، ليس فقط يتميزون بالضحالة الشديدة في معرفة كلمة الله، التي هي أساس كل نمو في الحياة، وكل نقاوة في السلوك، بل أقول للأسف إن نهضتهم وخدمتهم وأنشطتهم يمكنها أن تستمر بذات النجاح بدون الاحتياج لأي قدر من المعرفة الكتابية، بل وحتى بدون وجود أي توجّه للإهتمام بها!! فإذا توفرت لهم الكلمة وخدمت أفكارهم أهلاً بها، أما إذا لم تتوفر فهم ماضون بدونها، بل وقادرون على الاستمرار والنجاح بدونها! هذا لأنها صحوة تعتمد على كل ما هو عاطفي ونفسي، وليس على ما هو معرفي كتابي، إنها صحوة لا تعتمد على قوة روح الله وسلطان المكتوب، لكن على كاريزما بعض الأشخاص وأفكارهم الخاصة والتي تتعارض أحيانًا مع المكتوب. إنها صحوة تعتمد على نظريات علم النفس بعد أن تكسوها طابعًا مسيحيًا، وعلى استغلال ميكانزمات علم النفس كالإيحاء وغريزة القطيع، وليس على الإيمان المسلَّم مرة للقديسين. إنها صحوة تعتمد بشدة على الموسيقى ولا سيما الموسيقى المتمردة على السلم الموسيقي كموسيقى الـ HARD ROCK وموسيقى الـ ****L ROCK بدقاتها المجنونة القادرة على تغييب العقل لشدّة ما تنشئه من انفعال، وليس على روح الله الذي ينخس القلوب ويقنع العقول ويقودها للتوبة ويميّزها بحياة القداسة. إنها صحوة لا تبحث عن خير الإنسان الروحي بقدر ما تبحث عن سعادة الإنسان النفسية. إنها صحوة لا تخبر الإنسان بفكر الله لكي يطيعه، بل تريد أن تسخِّر الله لخدمة فكر الإنسان! كما أنها صحوة تستمد قوتها لا من قوة العمل الإلهي بل من قوة الأعداد الكبيرة وقوة الإبهار الأمريكي، حيث قوة المال وقوة التكنولوجيا وقوة الوفرة في كل شيء. كل هذا يتعارض تمامًا مع طابع النهضات الحقيقية التي سجّلها الكتاب والتي نقرأ عنها في كتب التاريخ. وهنا تعوزني المساحة لأقتبس من تاريخ النهضات الحقيقية ما يؤكد أنه لم تكن هناك نهضة حقيقية على مَرّ التاريخ، إلا وكان الرجوع للكتاب المقدس، واكتشاف فكر الله، والتعمق في معرفته، هو المحرِّك للنهضة وعلامتها، بل وعلمها. سواء نظرنا للنهضات المسجَّلة في العهد القديم، كتلك التي حدثت على يد ملوك أتقياء مثل حزقيا ويوشيا، أو خدام أمناء مثل عزرا ونحميا. أو تلك المسجّلة في التاريخ الكنسي مثل نهضة الإصلاح على يد لوثر ووليم فارل وكالفن وزونجلي؛ والذين كان شعارهم الأوحد الذي رفعوه هو: ”الكتاب وحده والكتاب كله“. ومن قبلهم سار على ذات الدرب روبرت جريتهد، وروجر بيكون، وتوما الأكويني، ويوحنا ويكليف، واللورد كوبهام، وجون هس، وجيروم سافونارولا، وكثيرون غيرهم، وبعضهم كما يعلم الكثيرون منا أمرت محاكم التفتيش البابوية بحرقهم أحياء لأنهم لم يقبلوا أن يفرطوا فيما تعلموه من الكتاب!! ومن بعدهم مثل وسلي وداربي وكلي وسبرجن وغيرهم. وكم شرفت صفحات التاريخ المسيحي بقصص رجال أبطال ضحوا بحياتهم لأجل تعليم الكتاب. ثانيًا: دوافع الصحوة هنا لا بد لنا أن نتساءل عن ما هي العوامل التي بعثت هذه الصحوة الدينية العامة في الغرب والشرق. وهل هذه العوامل نفسها لها دور في بعث النهضة المسيحية الحالية؟ وبالطبع لا أدّعي أنني أفهم كل شيء، لكنني فقط أفكّر وأحاول أن أفهم. وما وصلت إليه ألخّصه في هذه العبارة ”ثقافة الإحباط“، وأقصد بالثقافة:”منظومة من المعتقدات والسلوكيات التي تميّز جماعة معينة في عصر معين“. وبالتالي عندما اقول: ”ثقافة الإحباط“، أقصد أن: هذه المنظومة من المعتقدات والسلوكيات، أوجدتها أو بعثتها حالة من الإحباط الشديد والعميق. وليس من الصعب على قارئ التاريخ البشري، في أي مرحلة من مراحله، أن يدرك أن الدين كان دائمًا هو طوق النجاة الجاهز باستمرار للإنقاذ من الإحباط! لقد كان، ولم يزل، هو المنظومة الفكرية والنفسية والروحية التي تغيث المحبطين. دعني أوضح لك هذا بإلقاء نظرة على الغرب المسيحي ثم نظرة على الواقع المصري. إذا رجعنا بضعة قرون للوراء، سنجد أن عصر النهضة الأوروبي، والذي بدأ بعد نهضة الإصلاح البروتستانتي، كان شعاره العقل والموضوعية والتمرد على الخرافات، ولا سيما تلك التي خلقتها البابوية في روما وملأت بها عقول الناس، بل وسيطرت بها عليهم لقرون طويلة. وشعروا أنه لن يحميهم من العودة لعبودية الخرافة فيما بعد إلا التمسك بالعقل وحده. وقد كانت الانتفاضة عنيفة. (أقرأ مثلاً ول ديورانت قصة الحضارة ”الإصلاح الديني بداية عصر العقل“ المجلد الرابع عشر). وللأسف خلط البعض وقتها بين الكتاب المقدس وبين تعاليم البابوية، أي لم يميّزوا بين ما هو بشري وخرافي، وما هو حق وإلهي. مثل ما فعل فولتير وهيجل وكانت وغيرهم. وعلى قدر ما كانت الخرافة قوية ومسيطرة، كان التمرّد عنيفًا وقاسيًا بنفس الدرجة، طبقًا لقانون الحركة الثالث لنيوتن. فرفضوا ليس فقط الخرافة، بل رفضوا أيضًا الله وكتابه. كما يقول ول ديورانت: ”لم يعودوا يناقشون سلطة البابا بل وجود الله! ولم يعودوا يناقشون عصمة البابا بل حقيقة الكتاب المقدس!“. وهنا جاء الإلحاد في صورته القديمة. إلا أنه بعد التمسك بالعقل وحده لمدة ثلاثة قرون من السابع عشر إلى التاسع عشر، اكتشفوا أن هناك خواء نفسي وفراغ عميق لم يقدر العقل الجاف أن يشبعه، بل والأخطر من هذا، اكتشفوا عجز العقل عن إجابة أسئلة الإنسان الهامة في الحياة والتي تزعجه، والتي يحتاج نفسيًا لإجابتها لكي يشعر بالاشباع. هذا الفشل الذريع للعقل خلق فراغًا رهيبًا وكذلك إحباطًا ثقيلاً للغاية، لذلك يمكنني القول إن أوروبا خرجت بعد الإصلاح من سجن الخرافة التي سجنها فيه الدين، لكنها خرجت إلى العراء وبرد العقل الجاف الذي عجز عن تقديم الإشباع النفسي وملء الفراغ الروحي بل وأيضًا لم يقدِّم لها الإجابة عن أسئلتها الهامة!! هذا الإحباط دعا البعض، مثل الانجيلزي ألدوس هكسلي Aldous Huxley (1894-1963) في بداية القرن العشرين أن يدعو لإعطاء المخدرات للأصحاء لعلهم يكتشفوا في باطنهم وفي أعماق نفوسهم الإجابات وهم تحت تأثير المخدرات!!! وهذا الإحباط أيضًا هو الذي خرج بالمجتمع الغربي من موسيقاه الكلاسيكية الرصينة والتي ميّزت القرن الثامن عشر والتاسع عشر، إلى موسيقى الصخب والجنون كموسيقى الروك أند رول والهارد روك والـ heavy ****l وغيرها! هذه الأنواع من الموسيقى التي بدقاتها العنيفة وتأثيرها الرهيب على المشاعر تخرج بالانسان بعيدًا عن العقل، لعله يجد الإجابة في وهم الأحاسيس. وبالطبع نجحت بشدة في أن تأخذه بعيدًا عن العقل لكنها لم تُعطِه الإجابة! ولم يستسلم دعاة العودة إلى العقل وحده ليعلنوا فشل العقل، فظهر الإلحاد الحديث في صورتيه الماركسية على يد ماركس، والوجودية الملحدة على يد سارتر، وبهما أخذ الإلحاد منعطفًا جديدًا، فهو لا يرفض وجود الله لكنه يرفض العلاقة معه، يرفض الدين بحجة أن الدين يعطل الإنسان عن اكتشاف وتحقيق ذاته، وأنه عندما يحقق ذاته سيصل للإجابة عن أسئلته التي تشقي نفسه. ولكن في نهاية القرن العشرين انهارت المؤسسات السياسية والاقتصادية والفكرية التي بنيت على أفكار ماركس، كما فشلت فلسفة سارتر في أن تقود ولو مجرد فرد واحد من أتباعها إلى اكتشاف ذاته ليجيب عن أسئلته. بل فشلت كل الفلسفات في أن تجيب عن أسئلة الإنسان الهامة في الحياة وعن هذا يقول جاك ماريتيان الفيلسوف الفرنسي : ”إن الفلاسفة في الواقع يقومون بلعبة غريبة، فهم يعلمون جيدًا أن شيئًا واحدًا له قيمة، وأن خليط مناقشتهم إنما يدور حول سؤال واحد: لماذا ولدنا على هذه الأرض؟ وهم يعلمون جيدًا أنهم لن يستطيعوا الإجابة عنه، ومع ذلك يستمرون في تسلية أنفسهم!!!“. وهكذا أُحبط للنهاية دعاة العقل وحده، وضعف إلى حد كبير تأثير الماركسية والوجودية، والباقون لم تقودهم مخدراتهم أو موسيقاهم إلا إلى المزيد من الضياع. وهنا لم يبقَ أمام من يرجو النجاة من هذا الإحباط سوى تجربة العودة للدين، باعتباره طوق النجاة الجاهز دائمًا للإنقاذ من الإحباط. وفي الشرق لا يختلف الوضع كثيرًا على الرغم من اختلاف عوامل الإحباط، ففي مجتمعنا المصري، على سبيل المثال، لا يستطيع أحد أن ينكر حالة الإحباط التي يعيشها هذا المجتمع المسكين والمطحون. فبعد وعود رائعة عاش وتغذى عليها في الخمسينيات والستينيات انهارت تمامًا بعد نكسة 1967، وبعد سلسلة من النكبات الاقتصادية وتقلّص فرص العمل في الداخل والخارج، وانتشار البطالة، وقلّة الأبواب المفتوحة نسبيًا للهجرة بسبب الازدياد الرهيب في عدد الراغبين في الهجرة، كل هذا مع انعدام الأمل في أي إصلاح سياسي أو اقتصادي، وانتشار قصص الفساد الرهيبة التي تزكم الأنوف. كيف لا يحبط هذا المجتمع، بل وكيف لا يتعمق فيه الإحباط حتى إلى النخاع؟!! وهنا أيضًا يظهر الدين كطوق النجاة الوحيد. فسائق التاكسي الذي أشرت إليه في بداية المقال، لو استطاع أن يغنّي أغاني الخمسينيات والستينيات عن الحب والزواج لما كان انخرط في الدين، والشاب الجامعي الذي يضحي بمستقبله من أجل الدين هو يفعل ذلك ببساطة لأنه لا يملك من الأصل مستقبلا لكي يخسره!! بل هو على استعداد أن يضحي أيضًا بحياته لأجل الدين، لأنه لا يرى لهذه الحياة التي يعيشها أي قيمة، إنها رخيصة للغاية!! وبالتالي فليست خسارة أن يضحي بها لأجل أي قيمة حتى ولو كانت غير يقينية! هذا هو حال الشباب المصري على المستوى العام للمجتمع المصري ككل بكل طوائفه. وهنا لا يمكننا أن نستثني الشباب المسيحي من حالة الإحباط هذه، بل على العكس فإحباطه أكثر بسبب وضعه كأقلية مضغوطة، نجح الضغط الذي يعاني منه أن يقتل عنده الشعور بالانتماء للوطن وترجي الخير منه. وهنا أتوقف لأقرِّر شيئًا في غاية الأهمية، ألا وهو أنه في هذا الجو النفسي القاتم، لو قُدِّم الإنجيل بقوة الروح القدس لأنقذ هذه النفوس إنقاذًا زمنيًا وأبديًا، وهذا بالطبع يحدث، لكن ليس بصورة عامة بل على نطاق ضيق. أما الغالبية العظمى من المسيحيين فقد صاروا ضحايا لهذا الإحباط، ولم يبقَ أمامهم سوى الدين كالملجإ الأخير. فلجأ المسيحيون من الكنيسة التقليدية إلى الكنيسة، والمتابع لأنشطتها سيلحظ أنه في ذات الفترة بدأت الكنيسة تتبنى إلى حد ما قضايا الشعب لدى الدولة، فتعمَّق الشعور بالانتماء للكنيسة وصارت هي الوطن البديل! فالإنسان يحتاج للإنتماء كاحتياجه للماء والهواء. ولأنه لم يجده في المؤسسات المدنية المختلفة، اتجه إلى الكنيسة وعمق وجذَّر انتماءه لها، فصارت هي الأم، والوطن، والحزب، والنادي، والمستشفى، والحضانة، والضمان الاجتماعي وكل شيء!! وهنا حدثت النهضة في الكنيسة التقليدية. أما على الجانب البروتستانتي، فبالإضافة لعوامل الإحباط العاملة فيه باعتباره مصري، ولعوامل الإحباط باعتباره أقلية، ولعوامل الإحباط باعتباره أقلية داخل أقلية، قد صار يعاني عاملا محبطًا أخر، ألا وهو خلو الساحة البروتستانتية من رجال المنبر الأتقياء الموهوبين بحق، والذين يقدّمون كلمة الله الغنية بعمق يشبع الروح والعقل والنفس معًا. ولا تستهن بدور هؤلاء الرجال وأثرهم، فدورهم هو الذي أوجد للبروتستانتية مكانًا في مصر، بل وهو الأمر الذي أوجد البروتستانتية في العالم! فالبروتستانتية منذ قيامها لم تكتسب أرضًا بين الناس بسبب اعتمادها على إشباع الغريزة الدينية بالطقوس والفرائض، بل من خلال تقديم كلمة الله وحق الله كما يعلنه الكتاب، تقدّمه من خلال رجال موهوبين أتقياء. وكانت نتيجة اختفاء هؤلاء ظهور فئة من القادة ورجال المنبر الذين قفزوا لشغل هذا المكان دون تقوى حقيقية ومواهب قوية، هؤلاء غطّوا الإفلاس الروحي والكتابي باللجوء للفلسفة وعلم النفس ونظريات اللاهوت المتحرر والعمل الاجتماعي. مما عمق الفراغ الروحي والفكري عند الرعية. الذين لم يعُد عندهم لا طقس ولا أسرار كالتقليدين، ولا فكر واقتناع كالبروتستانت الأقدمين. وكان أكثر المتأثرين بهذا الفراغ هم الشباب إذ أن الشيوخ يعيشون على ذكريات الماضي الجميل، وما سبق وتعلموه من خدام وقادة أتقياء كانوا أبطالاً في التعليم. وعليه فقد وصل الإحباط للنخاع، وهنا صار الوضع النفسي والفكري للشباب مهيّأ بقوة لتلك الصحوة الدينية القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لما تحمله في شكلها ومضمونها من عناصر معالجة بقوة لحالة الإحباط، إذ أنها هي الأخرى نتجت من حالة إحباط، وإن اختلفت أسبابه كما سبق وأوضحت. فالمتأمل لعناصر هذه الصحوة يجدها تتميز بالأتي: تقديم الله على أنه القوة العظمى الجاهزة دائمًا لإشباع احتياجات الإنسان الجسدية والزمنية والنفسية، وهذه القوة هي رهن إشارة الذي يطلبها. عدم إزعاج الإنسان بالكلام عن التوبة وحياة القداسة. الكلام الكثير عن حالة قوة وانتصار عظيمين يعيشها المؤمن دون أي جهاد روحي من جانبه. الكلام الكثير عن الأرواح الشريرة ثم النصرة عليها بأبسط الوسائل بكلمة أو بنفخة وهكذا يتم صنع العدو ثم تحطيمه لتدق طبول الانتصار ويتم تعليق النياشين، بينما المعركة من أساسها هي معركة وهمية. وتتجاهل أن الحرب الروحية الحقيقية هي جهاد لمعرفة الله معرفة عميقة من خلال المكتوب. اختزال الحياة الروحية بكل أبعادها واتساعها، إلى مجرد العبادة والتسبيح، مع اختزال العبادة إلى نشوة دينية بدلاً من أن تكون تكريس كامل للرب. مع استخدام الموسيقى الصاخبة في التسبيح والتي تقترب من الهارد روك وهي علاج نفسي للإحباط. البحث عن الأعداد الكبيرة هربًا من كل شعور بالتهميش والدونية. عدم إرهاق المؤمن بالتعليم الكتابي العميق، فليس المهم ماذا يعرف لكن بماذا يشعر ولذا يمكنني تسميتها بالوجودية الجديدة. تقديم كل ما يحسِّن صورة الإنسان أمام نفسه، ولا سيما من جهة الشعور بالذنب وعدم قبول النفس. مع أن هذين الشعورين، من وجهة نظري، وعلى الرغم من سخافتهما، هما البوابة الرسمية للعبور إلى طلب البر الإلهي والخلاص الحقيقي، بينما الشفاء منهما بدون توبة حقيقية هو قتل كل فرص العودة الحقيقية لله. كذلك تقديم كل ما يطمئن الإنسان على مستقبله. فصارت العظات من قبيل العلاج النفسي وتطييب الخواطر أو المساج النفسي وليست تقديم فكر الله وحقه. وعليه فعندما يتوفر لك نشاط ديني بهذه العناصر: يريح الضمير، يجعلك تنتمي لمئات أو آلاف نظيرك فيشفيك من الشعور بالدونية أو التهميش، ويقدم لك موسيقى صاخبة وأصوات جميلة تخرج بك من واقع الألم المحيط، وعندما يقدم لك الله القوة العظمى رهن إشارتك لتلبية احتياجاتك، وعندما يتم كل هذا في جو اجتماعي وعاطفي يتيح الفرصة للتقارب بين الشباب من الجنسين، ويتيح الفرصة للفقراء للإندماج مع الأغنياء، كل هذا دون إلحاح على العقل لكي يستوعب شيئًا ثقيلاً، ودون إلحاح على الضمير للتوبة وحياة القداسة؛ أقول عندما يتوفر كل هذا فلا يمكن أن يكون هناك مخدرًا ينسي الناس إحباطهم أقوى من هذا. كل هذا يجعلني كثيرًا أتسائل وأنا أرى الحماس الديني عند الشباب البروتستانتي في هذه الصحوة وأقول: هذا الشباب لو كان وجد وطنًا ينتمي إليه، وعملاً محترمًا يعطيه دخلاً ماديًا يكفيه، ومنزلاً يحقِّق فيه حلمه بالزواج، وسيارة تريحه من عناء المواصلات، ونشاطًا اجتماعيًا أو رياضيًا يظهر فيه مواهبه ويحقِّق فيه ذاته؛ هل كان يا ترى سيكون بهذا الحماس الديني؟ وهل كانت هذه الصحوة الدينية ستشمله؟ أخيرًا أقول: أنا لا أنكر أبدًا، بل على العكس بكل الفخر والفرح أؤكِّد، أن هناك عملاً إلهيًا حقيقيًا يجري في هذه الأيام، فالرب بنعمته لم يكُفّ عن أن يضم كل يوم الكثيرين الذين يخلصون، بطرق عجيبة، ومن مختلف الخلفيات بل والديانات. لكنني أراه عملاً لا بالقوة ولا بالقدرة بل بروح الرب في الخفاء بدون ضجة أو إعلان. إنه همس الروح الداخلي لأرواح حزينة على خطاياها، وقلوب مكسورة لإفلاسها، وضمائر حساسة، وعقول مفتوحة، فتستجيب لحق الله الذي لا يعدم وسيلة لتوصيله إليها مهما كانت خلفيتها ومهما كان مستوى ذكاءها. كما أنني أؤكد أنه في وسط كل زيف هناك شيء من الحق، وأقرّ بتعليم السيد أن شبكة الإنجيل التي طُرحت قد جمعت سمكًا جيدًا مع الرديء، وأنه لم يأتِ بعد وقت الفصل التام بينهما، لكن هذا لا يعني أن نسكت، بل ينبغي أن نفصل التبن عن الحنطة كما أمرنا الرب، وأن نلوح بنور الكلمة للمخلص، وأن ننادي بالانفصال للمؤمن الحقيقي. وأيضًا أقول للشباب المُحبَط، إن الإحباط بركة عظمية إن أحسنّا استخدامها بالتوجّه الحقيقي إلى الرب، وليس بالتدين في أشكاله المظهرية الجوفاء، وأنشطته الجماعية المخدرة. فروح الرب يهبّ ليجفف (إش40: 7) قبل أن يهب ليحي (حز 37: 9). وقد يكون هبّ عليك ليجعل نفسك تذبل من خلال الإحباط لكي تأتي إليه طالبًا الإرتواء، هذا الذي ختم كتابه بأرق وأجمل نداء: «من يعطش فليأتِ ومن يُرِد فليأخذ ماء حياة مجانًا» (رؤ22: 17). لذا تعال إليه بندم حقيقي وتوبة مخلصة صادقة، وثِق أن له خطة عظيمة لحياتك، وقصد صالح لوجودك. فقط تعالَ بقلب صادق واطلب منه الخلاص والحياة، معترفًا بأنك مذنب وهالك، وعندئذ سترتوي وتعيش أروع حياة. كما أني أتوجه بنداء قلبي لكل من هو في موضع خدمة أو قيادي، بل ولكل مؤمن حقيقي؛ لكي ما نفحص معًا عبادتنا وخدمتنا وأنشطتنا، طالبين من الرب أن ينقّينا من كل ماهو شكلي وليس حقيقي، من كل ما هو نفسي وليس روحي، من كل ما هو جسدي وليس إلهي، من كل ما هو ديني وليس من عمل روح الله فينا. دعونا نتضرع للرب من أجل بلادنا لكي يخلِّص الرب نفوسا غالية أحبّها ومات من أجلها. دعونا نصرخ لأجل نهضة حقيقية يقدَّم فيها إنجيل الخلاص الحقيقي بقوة الروح القدس. ويقدَّم فيها التعليم النقي للمؤمنين لكي ينموا به. نهضة تبدأ بركب ساجدة، وعيون باكية، وقلوب مكسورة. وتستمر فقط بعمل وقوة روح الله. وتنجح لأنها مبنية على حق الله وكلمته الحية والفعالة، وليس على أفكار فلان أو علان. نهضة تدعمها قوة حياتنا المقدسة وأخلاقنا المسيحية الطاهرة، في أعمالنا وسط زملائنا وفي بيوتنا. نهضة روحية أخلاقية تكون فيها سيرتنا خير دعاية لرسالتنا. ويكون فيها صوت حياتنا بين جيراننا أعلى من صوت كلامنا. نهضة تقوّي دعائم بيوتنا قبل أن تكثر عدد الحاضرين في كنائسنا. نهضة تجعل أولادنا وبناتنا يرون فينا أباءً وأمهاتا أتقياء جديرين بالاتباع، وليس مجرد أناس يبيعون كلام، فلا يصبحون صيدًا سهلاً لكل قائد باحث عن أتباع.
  • هل الله موجود

    بقلم / قداسة البابا شنودة الإلحاد هو أولي الخطايا الأمهات. وأخطرها. وما أكثر الخطايا التي تتولد عن الإلحاد! من الصعب أن تحصي.. والإلحاد علي نوعين: أحدهما ينكر وجود الله. والثاني هو الذي يرفض هذا الإله أو يتهكم عليه وينتقده.. والإلحاد الرافض لله: إما أن يرفضه لسبب شهواني. أو لسبب اقتصادي. فالذين يرفضونه لسبب شهواني. يرون أن الله يقف ضد شهواتهم بوصاياه التي تمنعهم عن التمتع بخطايا معينة. وهؤلاء شعارهم يقول "من الخير أن الله لا يوجد. لكي أوجد أنا"! أي لكي أتمتع بالوجود الذي أريده. بعيداً عن وصايا الله التي تقيدني! هؤلاء يتهكمون بقولهم: أتدعون أن الله في السماء؟ ليكن في السماء. ويترك لنا الأرض لا شأن لنا به. ولا شأن له بنا..! *** أما الإلحاد الرافض لسبب اقتصادي: فهو يدعي أن الله يسكن في برج عاجي. ولا يهتم بشئون الأرض. ولا يقيم العدل والمساواة فيها! ففي الأرض يوجد من يعيشون في فقر وعوز لا يجدون القوت الضروري. بينما يوجد أغنياء يحيون في رغد من العيش. ويفيض عنهم ما يزيد علي احتياجهم. مما يشتهي الفقراء الفتات الساقطة منهم. والله يري ولا يعمل!! وهؤلاء الملحدون هم الذين أنشأوا الاشتراكية الملحدة. زاعمين أن الكل حسب نظامهم يشتركون بمساواة في خيرات الأرض!!. ومنعوا ملكية الأرض والعقارات. فالناس يسكنون العقارات ولا يملكونها. ويفلحون الأرض ويستفيدون من إنتاجها. دون أن يملكوها كذلك.. وكانوا في بعض أساليبهم الإلحادية. يقولون للفلاح: أتريد بقرة؟ أطلب من الله فإن لم يعطك إياها. اطلبها من ستالين أو لينين.. وحينئذ ستأخذها! فما معني الإيمان بالله إذن؟ وما فائدته؟! *** وعملياً لا يمكن أن يتساوي الناس في إيرادهم. لأنهم غير متساوين في العقلية ودرجة الذكاء. ولا في القدرة علي الإنتاج... فقد تبدأ مجموعة معينة بقدر واحد من المال لكل فرد منها. ولكن البعض قد يستثمر في ذكاء واجتهاد وأمانة في العمل. فيزداد المال الذي معه ويتضاعف. بينما البعض الآخر يخسر ما معه. أو ينفقه في الفساد. وينتهي الأمر بأن الذين بدأوا معاً بمساواة في المال. انتهوا علي عكس ذلك تماماً.. ويكون ذلك عدلاً. لأن الله يكافيء كل إنسان بحسب عمله.. إلا لو جعلنا الناس مجرد آلات بلا فكر!! وقد تتوزع الأرض الزراعية بالتساوي علي الناس. ويتجه البعض منهم إلي الصناعة ويستثمر فيها ماله. فينبغ وتزيد ثروته علي غيره. وفي النهاية لا نجد هذه المساواة المنشودة... إننا لا نستطيع أن نخنق أصحاب المواهب والكفاءات. لكي يتساووا مع الخاملين أو الأغنياء. بحجة الوصول إلي المساواة. التي مهما بدأت لا يمكن أن تستمر... *** وبنفس الوضع لا نقبل أولئك الإباحيين. الذين يرفضون الله لكي يأخذوا حريتهم في إباحتهم. فيفسدون بدون ضابط.. فالله يريد الخير للناس. وليس الخير في الفساد.. ويريد لهم الحرية. بشرط أن تكون حرية منضبطة. ولا تضرهم ولا تضر غيرهم بسببهم. وقد رأينا أن أولئك الذين رفضوا الله ليتمتعوا بوجودهم. لم يتمتعوا بوجود حقيقي. إنما في ضياع. ووصلوا إلي الانحراف وإلي الشذوذ. وفقدوا الصورة المثالية للآدمية والإنسانية. وحتي إن رفضوا الله بسبب وصاياه. فهل أيضا يرفضون الدولة بسبب قوانينها. ويرفضون المجتمع بسبب أنظمته وقواعده. ويقولون إن كل ذلك يحرمهم من وجودهم!! أو يقولون: من الخير أنه لا توجد القوانين والأنظمة والأخلاقيات. لكن نوجد نحن!! *** أما الذين انكروا وجود الله. فقد جرهم الإنكار إلي عديد من الخطايا. نذكر من بينها: أنكروا أيضا الحياة الأخري. ولم يؤمنوا بالقيامة. لأنه من له القوة والقدرة علي إقامة الموتي سوي الله؟ وهم لا يؤمنون بالله..! وبإنكار الحياة الأخري. أنكروا الثواب والعقاب فيها. وأنكروا ما يسمي بالجنة والنار. وعاشوا بلا هدف. وبلا خوف من نتائج الخطيئة. انكروا عالم الأرواح جملة. فلا يؤمنون أيضا بوجود الملائكة وكل طغماتهم. ولا يؤمنون بغير المرئيات والماديات. وبالتالي فهم أيضا لا يؤمنون بشفاعة الأبرار. ولا بصلوات القديسين... هم لا يؤمنون كذلك بالصلاة بصفة عامة. لأنه لمن يصلي أي شخص؟ أليست الصلاة موجهة إلي الله؟ وهم لا يؤمنون بوجود الله. وهكذا فقدوا الصلاة والترتيل والتسبيح وكل الوسائط الروحية. وفي عدم إيمانهم بالله. أصبحوا لا يؤمنون بالوحي. ولا بالكتب المقدسة. وبالتالي لا يؤمنون بالوصايا الإلهية. ولا يلتزمون بشيء منها... وعلينا أن نناقشهم في اعتقادهم أو في عدم اعتقادهم *** نقطة الحوار الأولي معهم هي سبب الوجود. أو مصدره أو علته هناك موجودات. هذا أمر لا جدال فيه. فمن الذي أوجدها؟ توجد طبيعة جامدة كالجبال والهضاب والأنهار والبحيرات والأراضي كما توجد سماء وشمس وقمر وكواكب ونجوم ومجرات وشهب.. وتوجد كائنات حية كالبشر والحيوان والطيور والأسماك والحشرات. وأيضا توجد أشجار ونباتات.. الخ. فمن الذي أوجد كل تلك الكائنات؟ لابد من كائن كلي القدرة أوجد كل هذا. فمن هو؟ بعض الملحدين يقولون: الطبيعة فما هي الطبيعة؟ وما قدرتها؟ هل الطبيعة هي الطبيعة الجامدة التي لا حياة فيها؟! وهل يمكن لغير الحي أن يوجد كائنات حية. وهذا غير معقول. لأن فاقد الشيء لا يعطيه. فهل الكائنات الحية أوجدت باقي الطبيعة؟ وهذا أيضاً غير معقول. فمن الذي أوجد الكون إذن؟ إجابتنا نحن المؤمنين إنه الله. فإن كان عند الملحدين جواب آخر فليقولوه. ونناقشه معهم... *** وإن كانت مشكلة الوجود لغزاً أمام الملحدين بلا حل.. ىفإن مشكلة الحياة ومصدرها. هي لغز أمامهم أكثر عمقاً... إن كل ما وصل إليه العالم من علم وذكاء واختراع. يقف جامداً أمام مصدر الحياة: كيف أتت؟ وإذا فقدت كيف تعود إن أمكن لها أن تعود؟ ولا أقصد الحياة في سمو وجودها كما في الإنسان. بل حتي الحياة في أبسط وجود لها. كما في الخلية الحية الواحدة أو في البلازما... إن مجرد حياة نملة تسير علي الأرض تشكل لغزاً أمام الملحد: من أين أتتها الحياة؟ ووجود نحلة تسعي وراء رزقها وتصنع شهدًا من رحيق الأزهار. وتنظم أمورها... هذه النحلة في حياتها وفي صناعتها وفي نظامها عبارة عن لغز أكثر تعقيداً أمام الملحد: كيف أتتها الحياة؟! وكيف أتاها هذا النشاط وهذه القدرة وهذا التدبير؟ إذا تميزت الحياة بالعقل والفكر. يكون مصدرها أمام الملحد أكثر تعقيداً وبخاصة إن كان لهذه الحياة قدرة علي الاختراع. كما في حياة الإنسان. ما مصدر كل هذا؟ ويبقي السؤال بلا جواب... *** إن الحياة علي الأرض كانت لها بداية. فكيف بدأت؟ من المعروف علمياً أن الأرض كانت في البدء جزءاً من السديم. وكانت في نار ملتهبة. لا تسمح بوجود أي نوع من الحياة. لا للبشر ولا للحيوان ولا للنبات. ثم بردت القشرة الأرضية. ولايزال باطن الأرض ملتهباً تخرج منه البراكين والنافورات الساخنة... فمن أين أتت الحياة علي سطح الأرض. حيث لم تكن هناك حياة من قبل من أين نوع؟ ويبقي السؤال أمام الملحد بلا جواب.. والبعض منهم ربما يقدم افتراضات أو تخمينات ليس لها أي أساس علمي. وتبقي الحياة حتي في أبسط صورها دليلاً علي وجود الله. الذي كانت له القدرة علي إيجاد الحياة... *** بعض الملحدين يتباهون بقدرات الإنسان علي الاختراع. وقدراته محدودة... لا شك أنه توجد حالياً اختراعات مبهرة. تدل علي سمو العقل البشري. والعقل البشري هو أيضاً هبة من الله. كما أن كل ما اخترعه البشر يعتمد علي المادة. فهو يدخل في نطاق الصناعة وليس الخلق. لأن الخلق هو من قدرة الله وحده. والمادة من خلق الله. والملحدون لا يؤمنون بالخلق... فهل المادة أزلية لا بداية لها. أم أن لها بداية. وحينئذ تكون مخلوقة. وتكون بدايتها لغزاً أمام الملحدين. كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ ولا يمكن أن تكون أزلية. لأن المادة ضعيفة والإنسان يتصرف فيها بأنواع وطرق شتي. والضعف لا يتفق مع الأزلية. وإن كان عقل الإنسان أظهر براعة من جهة التصرف في المادة بالاختراع. فإن الله قد سمح أن توجد أمام العقل البشري معضلات لم يقدر علي حلها. مثل بعض الأمراض المستعصية التي يقف أمامها العقل البشري عاجزاً... النقطة التالية في إثبات وجود الله. هي النظام العجيب الموجود الكون. مما يثبت أن هناك من نظمه. ومن يكون إلا الله لهذا فإن أحد فلاسفة اليونان. كان يلقب الله بالمهندس الأعظم... إنك إن رأيت كومة من الحجارة ملقاة في موضع. ربما تقول إن الصدفة أوجدتها هناك. أما إن ارتفع حجر إلي جوار حجر. وفوقهما حجر ثالث. وتكون مبني من عدة طوابق. له أبواب ونوافذ وشرفات... فلابد أن يكون هناك مهندس قد قام بهذا العمل... وهكذا الكون! ہ ألا تري النظام العجيب الموجود بين أجرام السماء وعلاقتها بالأرض: فالأرض تدور علي نفسها مرة كل يوم ينتج عنها الليل والنهار. وتدور حول الشمس دورة ينتج عنها تتابع الفصول الأربعة. ولها علاقة بالقمر كل شهر من نتائجها أوجه القمر المتعددة... كل ذلك بنظام دقيق لا يختل. مما جعل الكليات اللاهوتية في القديم تدرس علم الفلك لانه يثبت وجود الله... *** انظر أيضاً إلي العلاقة العجيبة بين الرياح. والحرارة. وضغط الهواء: وكيف يتحكم كل هذا في اتجاه الرياح. وفي مواسم الأمطار والجفاف. مع علاقتها بالمرور علي البحار والبحيرات. وعلاقة كل هذا بالزراعة ونمو النبات. حتي يمكن أن تثبت مواعيد للأمطار وللزراعة. ولمواسم الحر والبرد... وينظم الإنسان حياته تبعاً لذلك. وتتنوع في ذلك بلاد عن بلاد أخري. فهل كل هذا النظام جاء عبثاً بدون منظم؟! أم لابد من قوة عليا حكيمة قد وضعت نظاماً لكل ما يسير في الكون.. وهذا ما نؤمن به. *** أما عن النظام في جسم الإنسان. فهو عجب في عجب. حتي أن التأمل في علم وظائف الأعضاء يثبت وجود الله. وكذلك تركيب كل عضو بشري... انظر إلي المخ وتركيبه وعمله. وما فيه من مراكز للنظر والسمع والنطق والحركة. بالإضافة إلي عمله في الفهم والذاكرة والاستنتاج... العالم كله يقف مبهوراً غاية الانبهار أمام أي مركز واحد من مراكز المخ. وإن اختل لا يستطيع كل علماء الكون أن يعيدوه إلي وضعه الطبيعي... ماذا نقوله أيضا عن باقي أجهزة الجسم وعملها الدقيق: كالقلب مثلاً أو الكبد. أو الجهاز العصبي أو الدوري أو الهضمي. وعن تكوين الجنين في الجسد وغذائه ونموه. حتي يكتمل ويخرج.. وما نقول ما يشبه عن جسم الإنسان وأعضائه. نقول مايشبهه عن أجسام الحيوان والطيور.. بل نري عجباً آخر في تركيب أجساد الحشرات أليس كل هذا دليلاً علي وجود خالق كلي العلم والحكمة!! *** نضيف إلي كل ما سبق الإجماع العام في الاعتقاد بوجود الله حتي أن الطفل يولد وبالفطرة فيه هذا الإيمان... وقد تختلف أسماء الله في شتي الديانات. لكن الإيمان بالله أمر ثابت. أما الإلحاد فله أسباب خاصة نعتبرها دخيلة علي العقل البشري. ولبعضها ظروف اجتماعية أو نفسية. أو هي حروب من الشيطان.
جميع الحقوق محفوظة لقناة الصخرة 2014